نجران (واس) تقف البيوت والقصور الطينية القديمة في منطقة نجران دليلًا حيًا على حضارة قديمة تجمع بين براعة البناء وجمال الفن المعماري، فلم تكن هذه البيوت مجرد مسكن للإنسان النجراني، بل تحولت مع مرور الزمن إلى أعمال فنية تنبض بالحياة؛ إذ تزينت جدرانها ومداخلها بنقوش وزخارف مميزة تشكل جزءًا أساسيًا من هويتها البصرية، مما يبرز طبيعتها المعمارية الاستثنائية التي أصبحت اليوم تجذب السياح والمهتمين بالتراث الثقافي.


27 ربيع الآخر 1448هـ 08 أكتوبر 2026م

وتتباين الزخارف في العمارة النجرانية ما بين المجسمات البارزة والرسومات الهندسية والرمزية، وتظهر "الأفاريز" كإطارات وخطوط زخرفية تبرز حول الرفوف والأبواب والنوافذ والمداخل، مما يضفي عمقًا بصريًا يساعد على كسر رتابة الجدران الطينية.

وأوضح الخبير المحلي في البناء التقليدي ناصر مبارك الصقور، أن الزخارف لم تكن مقتصرة على الجمال فحسب، بل كانت لها أبعاد وظيفية أيضًا، فاستخدم البنّاء النجراني الطين الممزوج بالتبن أو بمادة "الأشنان" الأكثر صلابة ودقة لتشكيل عناصر معمارية مثل "الشراريف"، وهي المثلثات المفرغة التي تزين أسطح المباني بارتفاعات مدروسة، مما يساعد على حماية الجدران من مياه الأمطار، ويضيف لمسة جمالية تعكس عظمة البناء، فيما تميزت النقوش النجرانية بألوان دافئة ومبهجة، مستلهمة أساسًا من ألوان الطبيعة مثل الأحمر والأخضر والأصفر والأسود.



وبين أن العمارة في نجران استلهمت ألوانها من البيئة المحيطة بها من خلال تقنيات مبتكرة. فمثلًا، يُحصل على اللون الأخضر من غلي نبات "البرسيم" وتركيز سائلة، بينما يُستخرج اللون الأحمر من الرمان وبعض الصخور الغنية بأكسيد الحديد، أما اللون الأسود، فيستخرج من القطران المستخرج من بعض النباتات، لافتًا إلى أن الموقع الجغرافي لنجران ممرًا للقوافل التجارية وطرق الحج إسهام في إثراء هذه الألوان، حيث كان الحجاج من اليمن والهند وباكستان يجلبون معهم أصباغًا خفيفة الوزن وقيمة مثل "النيلة الزرقاء" ومساحيق ملونة أخرى تُباع في الأسواق المحلية، مما أضاف تنوعًا فريدًا للألوان التقليدية.

وأشار إلى أن النقوش تبرز فيها "المثلث" كونه العنصر الهندسي الرئيسي والمفتاح الأساسي للنقش النجراني، ويبدأ النقش بتكرار مثلثات تتجه خطوطها من اليمين إلى الأعلى ثم إلى الأسفل، ومن منتصف قاعدة المثلث الأول، ينطلق مثلث جديد، مما يشكل تسلسلًا هندسيًا متقاطعًا ومنتظمًا، يمنح الجدران حيوية وحركة بصرية جذابة تعكس التناغم والترابط، إلى جانب توجد رسومات مستقلة تتمثل في دوائر مقسمة إلى مثلثات، يتميز كل مثلث منها بلونه الخاص، مما يعكس ثراء صاحب المنزل، خصوصًا في الألوان النادرة.



وفي سياق اجتماعي خاص، كانت نساء نجران، خصوصًا الفتيات الشابات، هن المسؤولات الرئيسيات عن تنفيذ النقوش والزخارف الداخلية وتلوينها؛ ولم يكن هذا العمل مجرد واجب منزلي، بل كان طقسًا فنيًا تتنافس فيه النساء لإظهار مهاراتهن وشغفهن بالجمال، حيث كانت جودة النقوش في المنازل تُعتبر دليلًا على بركة المكان ورفعة سكانه، مما جعل هذه النقوش وسيلة تعبير تعكس الرخاء الثقافي والاجتماعي في المجتمع النجراني.

يُذكر أن النقوش والرسومات الموجودة في البيوت الطينية بنجران أكثر من مجرد زينة، إذ تمثل وثائق تاريخية وفنية أبدعها الإنسان النجراني باستخدام طين أرضه وألوان طبيعته وخصوبة خياله، ومع تحول هذه القصور إلى وجهات سياحية، تبقى هذه الزخارف دليلًا على عبقرية معمارية استطاعت أن تحول الطين العادي إلى تحف فنية تنبض بالحياة والجمال عبر العصور.



المدينة المنورة تستحضر مشهدها العمراني
المدينة المنورة (واس) يوافق اليوم الاثنين "اليوم العالمي للعمارة"، الذي يُحتفى به لإبراز دور العمارة في تشكيل المدن وتعزيز جودة البيئة العمرانية، فيما تبرز المدينة المنورة بطابع معماري يستمد ملامحه من هويتها الثقافية وإرثها العمراني، ويحافظ على أصالة المكان وخصوصيته.

https://portalcdn.spa.gov.sa/backend...F10959366.jpeg
25 ربيع الآخر 1448هـ 06 أكتوبر 2026م

ويجسد طابع المدينة المنورة توجهًا نحو عمارة تستلهم هويتها، من خلال استحضار الملامح المعمارية والعناصر الثقافية لطيبة في التصاميم المعاصرة، مما يعزز ارتباط المشهد العمراني بتاريخها وبيئتها المحلية، ويمنح مشاريعها طابعًا متفردًا.



وتبرز في العمارة المحلية تفاصيل ارتبطت تاريخيًا بالمكان، من بينها الرواشين والأفنية والأحجار البازلتية والعناصر المعمارية الأخرى المستوحاة من التراث، فيما تسهم إعادة توظيفها بأساليب معاصرة في تحقيق التوازن بين الأصالة ومتطلبات الحياة الحديثة، وبناء بيئات عمرانية تراعي احتياجات الإنسان وتوفر له الراحة والخصوصية.



وتسهم الملامح المعمارية والهويات التصميمية المستمدة من البيئة المحلية في تعزيز خصوصية المشهد العمراني والارتقاء بجودة التصميم، بما يواكب تطلعات المستقبل ويحافظ في الوقت ذاته على ذاكرة المكان وهويته.

ويأتي الاهتمام بالهوية المعمارية للمدينة المنورة في إطار مستهدفات "العمارة السعودية"، الرامية إلى تعزيز الهوية العمرانية وتحسين المشهد الحضري وتطوير بيئات عمرانية مستدامة تتمحور حول الإنسان، مما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.





عمارة منطقة جازان.. هويةٌ واحدة بأربع لغات معمارية
جيزان (واس) تمثّل العمارة في منطقة جازان سجلًا عمرانيًّا يعكس تنوع بيئاتها وخصوصية البناء فيها؛ إذ تشكّلت ملامحها عبر خبرات تراكمت في التعامل مع المناخ والتضاريس ومواد البيئة، وأنتجت حلولًا اختلفت باختلاف المكان، لتقدم اليوم نموذجًا لانتقال المعرفة المحلية من إرث تحفظه المباني القديمة إلى موجهات تستفيد منها مشروعات الحاضر.


25 ربيع الآخر 1448هـ 06 أكتوبر 2026م

ويتشكّل هذا التنوع بين ساحل البحر الأحمر وسهول تهامة والسفوح وجبال السروات وجزر فرسان؛ إذ تتبدل ملامح البناء بتبدل الجغرافيا، وتتوزع على أربعة أنماط رئيسة، هي: "عمارة ساحل تهامة"، و"عمارة سفوح تهامة"، و"عمارة جبال السروات"، و"عمارة جزر فرسان"؛ لكل منها خصائص معمارية تعكس طبيعة بيئتها، وتمنح المشهد العمراني في منطقة جازان تنوعه وخصوصيته.

فعلى امتداد السهول الساحلية، تشكّلت "عمارة ساحل تهامة" في بيئة تأثرت بمناخ البحر الأحمر، وبرزت فيها مبانٍ منخفضة الارتفاع، تنوعت بين مساكن القصب والأكواخ الطينية والمنازل الحجرية، فيما استُخدمت مواد محلية شملت الحجر والطين والشعاب المرجانية، وظهرت النوافذ الواسعة ذات الأقواس العريضة بوصفها أحد الحلول التي تسمح بمرور نسيم البحر.



وعند السفوح، تتغير معادلة البناء مع الانتقال من السهل إلى المرتفعات؛ إذ تجمع "عمارة سفوح تهامة" بين مؤثرات البيئتين الساحلية والجبلية، ويبرز فيها الحجر والجص المحلي، والأسقف المستوية والفتحات الصغيرة، وتتقارب المساكن ضمن تجمعات تتخللها أزقة ضيقة وساحات داخلية، بما يعكس استجابةً لطبيعة التضاريس والمناخ.

وفي جبال السروات تصبح التضاريس عنصرًا رئيسًا في تكوين المبنى؛ إذ تتسم العمارة التقليدية بمبانٍ متضامة وهياكل حجرية، وتستخدم أحجارًا محلية تتدرج ألوانها بين الأسود والبني والرمادي والأبيض، مع فتحات صغيرة، وواجهات تضم أعمدة خشبية منحوتة وسلالم خارجية وزخارف حجرية هندسية، بما يجسد خبرةً في مواءمة البناء مع طبيعة المرتفعات.



وعلى جزر فرسان تأخذ العمارة شخصية مختلفة فرضتها البيئة البحرية؛ إذ استُخدم الحجر المرجاني والجص المحلي والحجر الطبيعي في تشييد المباني، وظهرت الزخارف المنقوشة والأنماط الهندسية الجصية، فيما أسهمت النوافذ الكبيرة والأفنية في الاستفادة من نسيم البحر وتحسين الراحة الحرارية.

ولا تكمن قيمة هذه الأنماط في أشكال المباني وحدها؛ بل في المعرفة التي تقف خلفها؛ فالنافذة تتسع لاستقبال نسيم البحر على الساحل وفرسان، وتصغر في مباني الجبال، فيما تتغير مواد البناء وتفاصيله باختلاف التضاريس، لتكشف العمارة عن استجابة عملية للبيئة.



واليوم، تنتقل هذه المعرفة إلى التصميم الحديث؛ إذ تعمل أمانة منطقة جازان، من خلال وحدة العمارة السعودية، على تطبيق موجهات الأنماط الأربعة عبر ثلاثة اتجاهات تصميمية، هي: "التقليدي"، و"الانتقالي"، و"المعاصر"، بما يتيح استلهام خصائصها وتطويرها وفق احتياجات المشروعات الجديدة.

وتأتي هذه الموجهات ضمن "العمارة السعودية"، التي تضم (19) طرازًا معماريًا مستمدًا من الخصائص الجغرافية والعمرانية والثقافية والمناخية لمناطق المملكة، وتربط أساليب البناء المتوارثة بالتصميم المعاصر.



وفي منطقة جازان انتقل هذا التوجه إلى التطبيق؛ إذ أصدرت أمانة المنطقة، خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026م، (486) رخصة بناء وفق اشتراطات الهوية العمرانية السعودية، لتصبح عناصر العمارة المحلية جزءًا من حركة البناء الجديدة.

وأوضح المتحدث الرسمي لأمانة منطقة جازان، الدكتور إبراهيم الخياط، أن تطبيق الهوية العمرانية يستهدف تحسين المشهد الحضري، ورفع جودة التصاميم والواجهات، والاستفادة من عناصر البناء المحلية في المشروعات الحديثة، بما ينسجم مع الخصائص الثقافية والبيئية للمنطقة ومتطلبات التطوير.



وتكشف هذه التحولات عن مرحلة جديدة في المشهد العمراني بمنطقة جازان، تستند فيها حركة البناء إلى مرجعيات المكان وذاكرته المعمارية، بما يمنح المشروعات القادمة شخصيةً أكثر ارتباطًا بمحيطها، ويتيح للموروث الاستمرار بلغة معمارية تنتمي إلى عصرها.


عمارة عسير تشهد على مهارات بِناء وتكيّف
أبها (واس) في أجواء الاحتفاء باليوم العالمي للعمارة بداية أكتوبر من كل عام تستحضر منطقة عسير جانبًا من تجربتها العمرانية التي جعلت من الجبل مادة للبناء، ومن تضاريسه أساسًا للتشكيل، ومن موارده المحلية عناصر للجمال، في مشهد يكشف خبرة معمارية متوارثة استطاعت منذ قرون أن توائم بين متطلبات السكن والحماية والتخزين وبين الظروف المناخية والجغرافية للمنطقة.

https://portalcdn.spa.gov.sa/backend.../F10961709.jpg
25 ربيع الآخر 1448هـ 06 أكتوبر 2026م

وتبرز العمارة التقليدية في عسير بوصفها إحدى صور التفاعل العميق بين الإنسان وبيئته، فالمباني الحجرية والطينية تتدرج على السفوح، وبعضها يرتفع إلى عدة طوابق، فيما تتشكل واجهاتها من الحجر والمَرو والخشب، لتقدم نموذجًا عمرانيًّا لم تكن فيه الوظيفة منفصلة عن الجمال، ولا البناء منفصلًا عن طبيعة المكان.

وتوضح خريطة العمارة السعودية أن منطقة عسير تضم أنماطًا معمارية متعددة، من بينها عمارة مرتفعات أبها، وعمارة جبال السروات، وعمارة أصدار عسير، وعمارة سفوح تهامة، وعمارة ساحل تهامة؛ وهو تنوع يعكس اختلاف التضاريس والموارد والظروف المناخية من جزء إلى آخر.

ومن أبرز سمات العمارة العسيرية التقليدية نزعتها إلى الارتفاع، إذ استغل البناؤون المساحات المحدودة في البيئات الجبلية واتجهوا إلى البناء الرأسي، فظهرت مبانٍ متعددة الطوابق بدت في بعض القرى امتدادًا طبيعيًّا للجبال التي شُيدت عليها.



وتعد بلدة "رُجال" بمحافظة رجال ألمع من أبرز النماذج العمرانية القديمة، إذ تشير المصادر التراثية إلى مبانٍ يزيد عمر بعضها على ثلاثة قرون، شُيدت من الحجر والطين والخشب، وبلغ ارتفاع بعض مبانيها ثمانية طوابق، فيما تظهر في القرية حصون ومبانٍ متعددة الأدوار ارتبطت بوظائف السكن والتخزين والحماية.

ولم يكن الارتفاع مجرد خيار جمالي، بل ارتبط بطبيعة الأرض الجبلية وبالحاجة إلى استثمار المساحات المتاحة، إلى جانب الوظائف الدفاعية ومراقبة الممرات والطرق، وتخصيص أجزاء من المبنى للسكن وأخرى لتخزين المؤن والمحاصيل.

وتتجلى هذه الوظائف كذلك في القصبات التي شكلت عنصرًا بارزًا في المشهد العمراني العسيري، إذ أقيمت في مواقع مرتفعة لمراقبة الطرق ومداخل القرى، واستُخدمت بعض نماذجها لحفظ الحبوب والمؤن، فيما زود بعضها بفتحات صغيرة للمراقبة والدفاع.



وفي أجزاء مختلفة من المنطقة، ولا سيما أصدار عسير، تظهر الأبراج الحجرية المرتفعة ذات الهيئة الحصينة، ويصل بعضها إلى ستة طوابق، بينما تتجاوز بعض المنشآت التراثية ارتفاع 20 مترًا، بما يعكس مهارة البنّاء المحلي في التعامل مع البناء الرأسي فوق التضاريس الوعرة.

واستفاد البناؤون من المواد المتوافرة في البيئة، فكان الحجر أحد أهم عناصر البناء في مناطق السراة ورجال ألمع، إلى جانب الطين المستخدم في الجدران وبعض العناصر الإنشائية، وأدى الخشب أدوارًا إنشائية وزخرفية، خصوصًا في الأسقف والأبواب والنوافذ.

وتشير دراسة عن "العمارة التقليدية في عسير" للدكتور علي مرزوق إلى أن توظيف هذه المواد لم يكن نتيجة توفرها فحسب، وإنما جاء ثمرة معرفة متراكمة بخصائصها وكيفية استخدامها بما يتلاءم مع المناخ والتضاريس وطبيعة المنشأة.



ومن الحلول المحلية اللافتة في هذا المجال تقنية "الرقف"، التي تعتمد على بروز أجزاء حجرية من الجدار لحماية الأسطح الطينية من مياه الأمطار، وهي معالجة إنشائية تحولت في الوقت نفسه إلى عنصر جمالي يضفي على الواجهات إيقاعًا هندسيًا متكررًا.

وتظهر القيمة الجمالية للمواد المحلية بصورة أكثر وضوحًا في استخدام "المَرو"، وهو حجر أبيض لامع يجمع من المناطق الجبلية، ثم يكسر إلى قطع صغيرة ويستخدم في تزيين الواجهات، خصوصًا حول الأبواب والنوافذ وفي الأجزاء العليا من المباني.

وتشكل قطع المَرو تكوينات هندسية متنوعة، من المثلثات والمربعات إلى الخطوط الرأسية والأفقية، فتبرز على خلفية الحجر الداكن وتمنح الواجهات تباينًا لونيًا واضحًا، يحول الجدار من عنصر إنشائي إلى مساحة للتعبير الفني.



وتكشف المصطلحات المحلية المرتبطة بالبناء عن منظومة مهنية متكاملة عرفتها عسير قديمًا، إذ كان "الباني" يتولى مهمة معلم البناء والمسؤول عن المقاسات وتوجيه العمل، فيما يساعده عدد من العمال، ومن بينهم "الشُقاة"، بينما يتولى "المنظي" جلب الحجارة وتكسيرها وتهذيبها، ويقوم "الكاحل" بملء الفراغات بين الأحجار الكبيرة بالأحجار الصغيرة.

وتبدأ عملية البناء باختيار الموقع وإعداد الأساسات، أو ما يعرف محليًا بـ"الربض"، ثم ترتفع الجدران تدريجيًا وفق مقاييس وخبرة متوارثة، قبل تنفيذ النوافذ والعناصر الزخرفية والتفاصيل النهائية.



وتقدم هذه المصطلحات صورة عن مهنة البناء بوصفها معرفة تخصصية متكاملة، انتقلت من جيل إلى آخر بالممارسة والتدريب، وراكمت حلولًا تتناسب مع طبيعة الأرض والمواد المحلية.

ولم يقتصر الإبداع على الحجر والطين، إذ أسهمت النجارة التقليدية في إكمال هوية المبنى من خلال الأبواب والنوافذ والأسقف، واستخدم الحرفيون الأخشاب المحلية، ومن بينها خشب الطلح، في صناعة أبواب زينت بتكوينات هندسية ونباتية، استندت إلى تقسيمات زخرفية متوارثة تتقاطع مع جماليات الفن الإسلامي.

وامتد حضور الفن إلى داخل البيوت من خلال فن القط العسيري، الذي ارتبط بتزيين الجدران والفراغات الداخلية، وشاركت النساء في إنتاجه مستخدمات تشكيلات هندسية وألوانًا متناسقة أصبحت جزءًا من الهوية البصرية للمنطقة، وأدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية عام 2017.



وتتجاوز العمارة التقليدية في عسير الجانب الإنشائي إلى كونها سجلًا للحياة الاجتماعية والاقتصادية لسكان المنطقة، فالبيت والبرج والقصبة ارتبطت بوظائف السكن والتخزين والحماية، فيما حملت عناصر الزخرفة والحرف اليدوية ذاكرة المجتمع وذائقته.

وتقدم هذه التجربة العمرانية نموذجًا واضحًا لقدرة المعرفة المحلية على تحقيق التكيف مع البيئة؛ فاختيار الموقع، ومواد البناء، وارتفاعات المباني، وحلول مواجهة الأمطار، وتقنيات تثبيت الأحجار، وتوزيع الوظائف داخل المبنى، كلها جاءت استجابة لظروف المكان واحتياجات السكان.

وفي سياق الاحتفاء باليوم العالمي للعمارة، تكتسب هذه التجربة أهمية تتجاوز بعدها التراثي، إذ تكشف مبادئ لا تزال حاضرة في النقاش المعاصر حول العمارة المستدامة، من الاستفادة من المواد المحلية، وفهم المناخ، والتكيف مع التضاريس، إلى تقليل الفجوة بين الوظيفة والجمال.



ومن سفوح السروات إلى قرى رجال ألمع وأصدار عسير، تظل هذه المباني صفحات حية من تاريخ المكان، حفظت خبرات البنائي

ن والحرفيين المحليين، وأثبتت أن العمارة حين تنطلق من فهم البيئة واحترام مواردها يمكن أن تتجاوز وظيفتها الأصلية لتصبح ذاكرة بصرية وهوية ثقافية وحضارية متجددة لمنطقة عسير.


أصالة العمارة المكية مكان وعبقرية الإنسان
مكة المكرمة (واس) تختزن مكة المكرمة في عمرانها ملامح تاريخ طويل تشكلت خلاله هوية معمارية ارتبطت بخصوصية المكان ومكانته الدينية، وتفاعلت مع طبيعة البيئة الجغرافية والمناخية والاجتماعية، لتنتج طرازًا عمرانيًّا مميزًا يجمع الوظيفة والجمال، ويجعل من المبنى وثيقة حية تحكي جانبًا من حياة المجتمع المكي وتحولاته عبر العصور.


25 ربيع الآخر 1448هـ 06 أكتوبر 2026م

وتتزامن هذه الملامح مع الاحتفاء بـاليوم العالمي للعمارة 2026 الذي يصادف 5 أكتوبر من كل عام، واختار الاتحاد الدولي للمعماريين لهذا العام شعار "السكن حق من حقوق الإنسان.. فلنبنه"، في تأكيد لدور العمارة في توفير بيئات عمرانية ملائمة ومستدامة، والاستجابة لاحتياجات الإنسان مع مراعاة خصوصية المكان والثقافة.

ولم تكن العمارة في مكة المكرمة مجرد أسلوب للبناء، بل جاءت انعكاسًا مباشرًا للبيئة التي نشأت فيها؛ فموقع المدينة بين الجبال، ومناخها الحار، وطبيعة الحياة الاجتماعية فيها، أسهمت جميعها في تشكيل حلول معمارية متوارثة، وظّفت المواد المتاحة محليًّا، وراعت التهوية والإضاءة والخصوصية، إلى جانب العناية بالتفاصيل الجمالية، حيث إن العمارة التقليدية في منطقة مكة المكرمة تطورت نتيجة تفاعلها مع الظروف البيئية والاجتماعية، كما تأثرت بموقع مكة التاريخي بوصفها ملتقى للحجاج والقادمين إليها من مناطق وثقافات متعددة، وهو ما انعكس على تنوع الأساليب والتفاصيل المعمارية فيها.

ومن أبرز ما يميز البيت المكي التقليدي الرواشين؛ تلك النوافذ والشرفات الخشبية البارزة التي لم تكن عنصرًا زخرفيًّا فحسب، بل أدت وظائف متعددة، من بينها تنظيم دخول الضوء والهواء، والحد من وهج الشمس، وتحقيق قدر من الخصوصية لسكان المنزل، فضلًا عن إضفاء طابع جمالي على الواجهات.



وتتميز رواشين منطقة مكة المكرمة بأحجامها وارتفاعاتها، وتنوع أشكالها وزخارفها، وامتدادها في بعض المباني على واجهات الأدوار العليا، بما يعكس براعة الحرفيين وقدرتهم على الجمع بين المتطلبات العملية والقيمة الجمالية.

واعتمد البناء التقليدي في مكة المكرمة على مواد ارتبطت ببيئة المنطقة، ومنها الخشب الذي كان حاضرًا في العناصر الإنشائية والزخرفية، ولا سيما الرواشين والأبواب والأسقف.

وتكشف هذه المواد عن معرفة متراكمة لدى البنّاء المكي بخصائص البيئة؛ إذ وظفت بعض مواد البناء وطرق التشييد بما يساعد على التعامل مع الحرارة والرطوبة، فيما أسهم الخشب في توفير العزل والتظليل وإدخال الهواء والضوء بطريقة متوازنة.



ولم تتوقف خصوصية البيت المكي عند واجهاته، بل امتدت إلى تنظيمه الداخلي؛ إذ عُرفت فيه عناصر مثل الدهليز والمجلس والصفة وغرف المبيت والمركب، في توزيع يعكس طبيعة الحياة الاجتماعية والعائلية في البيت الحجازي، ويمنح كل مساحة وظيفتها وخصوصيتها.

وتبرز في العمارة المكية القديمة مجموعة من التفاصيل التي تكشف عن حس فني رفيع لدى الحرفيين؛ من الزخارف الخشبية المحفورة، إلى الأبواب والنوافذ، والعناصر الجبسية، والأسقف، والمداخل والممرات، بما يعكس تداخل الوظيفة مع الجمال في تكوين واحد.

وفي هذا السياق، أطلقت الهيئة الملكية لمدينة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة "عمارة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة"، مستندة إلى الإرث العمراني والتاريخي والثقافي للعاصمة المقدسة، من خلال موجهات عمرانية تهدف إلى الارتقاء بالمشهد الحضري وجودة الحياة، وتحقيق التكامل بين الجوانب الجمالية والوظيفية والاستدامة في التصميم العمراني.



وتتضمن الموجهات التصميمية لعمارة مكة المكرمة استلهام عدد من المفردات التقليدية، ومنها الرواشين والنوافذ المقوسة، والمداخل والممرات ذات التجويفات، والمظلات، والأنماط الشبكية، والألوان المستوحاة من درجات الأرض، في محاولة لخلق صلة بصرية ومعمارية بين ماضي مكة وحاضرها ومستقبلها.

وتقدم العمارة المكية اليوم نموذجًا للتوازن بين المحافظة على الهوية ومواكبة التطور؛ فاستلهام العناصر التراثية لا يعني إعادة إنتاج الماضي بحذافيره، وإنما إعادة قراءة ما راكمته البيئة المحلية من حلول ومعارف وقيم جمالية، وتوظيفها بما يتناسب مع احتياجات المدينة الحديثة.

وبهذه الروح، تواصل مكة المكرمة تشكيل عمرانها الحديث، وهي تحمل في تفاصيله أثر عمرانها القديم؛ لتظل العمارة فيها شاهدًا على قدرة الإنسان على تحويل المكان إلى ذاكرة، والاحتياج إلى ابتكار، والموروث إلى هوية متجددة، بما ينسجم مع مفهوم العمارة بوصفها ممارسة إنسانية وثقافية تتجاوز بناء الجدران إلى صناعة المكان وحفظ ذاكرته للأجيال القادمة.