ميسان (واس) تحتفظ ذاكرة الأشخاص المعمّرين في القرى الجبلية بمحافظة ميسان على مدى سنوات العقود الماضية، مشاهد حيّة وذكريات اجتماعية مبهجة لتحرّي رؤية هلال شهر رمضان، خاصة أن رؤية هلال رمضان بالعين المجرّدة هي الوسيلة الوحيدة لإعلان دخول الشهر الفضيل، في مشهد روحي واجتماعي سبق زمن التقنية ووسائل الرصد الحديثة، ووصول الخبر بشكل رسمي وموحد.
28 شعبان 1447هـ 16 فبراير 2026م
واستحضرت شريفة بنت عطية الثقفي التي ناهز عمرها قرنًا من الزمن في قريتها "ليكه" التابعة لمركز ثقيف بمحافظة ميسان، ذكرياتها مع تحرّي هلال رمضان قبل ما يزيد على (9) عقود، مؤكدة أن تلك الليالي كانت تمثّل حدثًا ينتظره الجميع، وتُختزل فيه مشاعر الترقّب والفرح والعبادة، وتنتقل بشارة شهر رمضان من قمة جبل إلى أخرى.
وبيّنت المعمّرة "شريفة الثقفي" حين زارتها وكالة الأنباء السعودية "واس" في بيتها الذي تسكنه بين تجويفات الصخور العملاقة بالجبال، أن تهيئة لحظة ترقّب الهلال كانت تبدأ مع اقتراب المغيب، إذ يتوجّه الرجال بصحبة أطفالهم إلى أعالي المرتفعات القريبة، مثل مرتفعات جبال شهدان، وذلك لرصد ظهور الهلال، فيما تمكث النساء في المنازل بانتظار تباشير الرؤية، في أجواء يخيّم عليها السكون وتغمرها الدعوات، ومنشغلات في الإعداد والتحضير لوجبات الإفطار والسحور.
وأضافت الثقفي أن إعلان رؤية الهلال كان يُقابل بفرحة عامة تعمّ مجتمع القرية، تُترجمها التهاني المتبادلة، وإشعال ركام من الحطب في رؤوس الجبال، والتهليل بأصوات عالية تصحبها عبارات الفرح والقصيد لإيصال البشارة إلى القرى المجاورة.
وتجسد هذه التقاليد النسيج الاجتماعي وروح الترابط والتعاون، وتمتد ذكريات إعلان دخول شهر رمضان إلى اجتماع الأسر في ليالي رمضان وموائد السحور والإفطار.
بدوره، أفاد المتحدث الرسمي لمرصد مجاردة ثقيف الفلكي مديس الثقفي أن أساليب ترقّب هلال شهر رمضان شهدت في الوقت الراهن تحولًا ملحوظًا، انتقلت خلاله من الاكتفاء بالمشاهدة المباشرة بالعين إلى توظيف أدوات الرصد المتقدمة، كالمقاريب الفلكية والتصوير الرقمي والتطبيقات الحسابية المتخصصة، التي تعزّز موثوقية التحديد، وتمكّن من متابعة تشكّل الهلال بدقة علمية أعلى.
وأشار إلى أن ما تحتفظ به ذاكرة كبار السن من حكايات وتجارب يظل سجلًا إنسانيًا نابضًا يوثّق مرحلةً تاريخية امتزجت فيها الشعائر الدينية بالحياة اليومية، حيث غدت رؤية الهلال حدثًا جامعًا تتوارثه الأجيال بوصفه عنصرًا أصيلًا من ملامح المكان ووجدان المجتمع في استقبال الشهر.








رد مع اقتباس
مواقع النشر