الرياض - سعد بن عبد الله (الرياض) : أظهرت المتابعات الأخيرة لما يتداول عبر شبكات التواصل الاجتماعي، تنامي ظاهرة السخرية والتهكم التي طالت قرارات حكومية، ونالت من مسؤولين، بأسلوب يكشف عن قلة وعي في الطرح وعدم إدراك لخطورة تأثير مايتم تداوله، ويرى مختصون أنه رغم أن تلك الممارسات ليست جديدة إلا أن حجم التجاوز في الإساءة والتعريض يستدعي مراجعة واقع مايطرح وكشف خطورة إهمال تلك التجاوزات، ويحذر قانونيون من خطورة الانسياق للهزل والإفراط في السخرية، والتي تضعهم تحت طائلة القانون، ويؤكدون على صدور أحكام بالسجن والغرامة على أعداد كبيرة ممن رفعت عليهم قضايا تجاوزات من أفراد ومؤسسات رسمية طالتها تلك التهكمات، ويطالب خبراء الإعلام الجديد بمراجعة شاملة لواقع تلك الممارسات وتقصي أسبابها والبدء في معالجة الخلل والتصدي لأي ممارسات غير مسؤولية يمكن أن تكون مصدر تهديد للحمة الوطنية، ومدعاة لنشر الإحباط والتقليل من حجم أي منجز.


السخرية والتقليل من حجم المنجزات جريمة موجبة للعقوبة - الرياض

"الرياض" بدورها استطلعت رأي العديد من الاختصاصين للوقوف على أسباب هذه الظاهرة، ومعرفة الحلول للقضاء عليها.

لوائح وأنظمة
في البداية عبر محمد الجذلاني -محامي وقاضي سابق- عن قلقه من تنامي ظاهرة التهكم السخرية التي تجاوزت بحسب رأيه مرحلة السخرية بقرارات الدولة لتطال مسؤولين، ومما يسبب بث روح الإحباط والتشكيك في مقدرات الدولة، والتشكيك في دوافع تلك القرارات التي يفترض أن يكون الدافع لها هو المصلحة العامة، مضيفا: إن نظام المطبوعات والإعلام والنشر نص صراحة على عدم الإساءة لرجال الدولة، وقانون مكافحة الجرائم الإلكترونية يحمل في مواده نصوصاً تجرم تلك الممارسات، وأطالب بزيادة الاهتمام بقضايا القذف والتهكم والسخرية، للحد من تلك التجاوزات وردع المستهترين.

وشدد الجذلاني على أهمية دراسة تلك المشكلة لتحديد حجمها، والتشخيص الدقيق لها، ليتم إصدار التوصيات القانونية والتشريعية المبنية على أسس علمية، للتعامل معها وفق ماتكشفه الدراسة، مشيراً إلى ضرورة تقصي تلك الرسائل ومن يقف خلفها، وتتبعها لأنه ستتكشف للمختصين دوافع تلك السخرية المقصودة والموجهة، مؤكدا على أحقية كل مسؤول في رفع قضايا في المحاكم ضد هؤلاء المسيئين، والمطالبة برد اعتبارهم ومحاسبة كل من يتطاول.


النقد السلبي لا يبني ولا يخدم المصلحة العامة

الوعي مطلب
من جانبه أكد د. فايز الشهري -استاذ الإعلام الجديد وعضو لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشورى- أن الشبكات الاجتماعية مسرح جماهيري، والحاجة ماسة الآن إلى تأسيس مفاهيم ومبادرات تسهم في تعزيز الوعي السياسي والثقافي لدى الشباب، محذراً من خطورة الانسياق وراء كل ما يطرح عبر حسابات ومواقع معينة على شبكات التواصل الاجتماعي، لافتاً إلى أن بعض تلك الحسابات توظف من قبل تيارات وجهات وخصوم للمجتمع وقيمه ونظامه العام بهدف تكريس ثقافة اليأس والإحباط العام لدى الشباب بشكل خاص، وقال إن جزءا كبيرا من تلك الحسابات والمعرفات تدار من خارج المملكة سواء لبث الأفكار الإلحادية أو التشويش الفكري بنشر ثقافة التخوين والشك في كل شيء.

وأشار د. الشهري إلى وجود مشاريع وبرامج متكاملة ومنها حسابات على الشبكات الاجتماعية تظهر بأسماء محلية سعودية وتبث من دول مثل لبنان وسوريا وإيران والعراق وبعضها من دول أخرى ضمن أدوات الصراع السياسي والمذهبي، مؤكدا أن كثيرا من هذه الحسابات شديدة الانغماس في القضايا والشأن المحلي وتستهدف دس الشائعات.

وقال د. الشهري إن متابعة هذه المواقع والحسابات من قبل الشباب تسهم في تعزيز ثقافة الإحباط والانتقاص من قيم المجتمع وثقافته وتهوين تاثير أي منجز والتشكيك فيه، مضيفاً: مما يؤسف له أن بعض الأخبار الملفقة والقصص المشوهة تجد استجابة سريعة من بعض شبابنا وبعضهم يأخذه الحماس لتبني القضية وعمل وسم "هاشتاق" دون إدراك للمقاصد والغايات.

ونبه د. الشهري إلى أن الحاجة ماسة الآن إلى تأسيس مفاهيم ومبادرات تسهم في تعزيز الوعي السياسي والثقافي لدى الشباب في جو من الحوار والاعتراف بأهمية دور الشباب ومشاركته في منظومة التنمية.


منجزات الوطن تدفعنا للتفاؤل والمشاركة في التطوير

صناعة القدوة
ومن جهة أخرى يؤكد د. الشهري أهمية إعادة تعريف الاستخدام الأمثل لهذه الوسائل الجديدة، لافتاً إلى أن المجتمع يدفع الآن ثمن حضور هذا المسرح الجماهيري الإلكتروني ويجني ثمار تصدير وتصدر بعض نجوم شبكات التواصل إلى القنوات التلفزيونية كقدوات للشباب، مضيفاً: الإشكال أن بعض نجوم الشبكات الاجتماعية لم يبنوا شهرتهم على أسس معرفية المهنية وإنما خرجوا من نوافذ ماتسمى بـ"الطقطقة" والمزاج الشخصي وأحيانا من باب الإحباط واليأس، وإنه من الخطأ عدم استيعاب هذه الظاهرة ولكن بشروط المجتمع لأن استيراد بعض نجوم الشبكات الاجتماعية اللذين لا يضيفون قيمة للمشهد الفكري والإعلامي وإبرازهم عبر البرامج الثقافية واستضافتهم في المناسبات والملتقيات يجعل منهم قدوات للشباب الذي يتشكل وعيه من خلال محتوى الشاشات.

تأثير سلبي
ويرى هنا أن المسؤول الذي يتعرض لحملات التهكم والسخرية والهجوم المتواصل سيجد نفسه يعمل تحت الضغط والتربص على مدار الساعة وبالتالي ستؤثر كل هذا على أدائه وقراراته، ومن هنا لم يعد المعيار في العمل والقرار الصواب والخطأ ولكن ما يرضي وما يغضب هؤلاء المتربصين.


محمد الجذلاني

ولفت د. الشهري إلى العلاقة بين مستوى الوعي الذي يظهر في كثير مما يطرح على وسائل التقنية الحديثة وبين المنتج الثقافي الذي يصدر عنها، ويرى أنه كلما تقلص العمق والموضوعية في الطرح الفكري عبر الوسائط الإلكترونية فإن ذلك بالضرورة سيولّد شرائح بنفس المستوى، مضيفاً: إن محاضن الثقافة الرئيسة اليوم أصبحت إلكترونية، وإنها اذا تحولت إلى ثقافة مزاج ورغبات وتهكم فكيف نضمن أن تقدم هذه المحاضن الإلكترونية مادة ناضجة يمكن معها أن يتشكل وعي الشباب بصورة حضارية، وستتضح لاحقا مؤشرات النتائج السلبية والإيجابية لظاهرة استقدام البرامج الساخرة والهزلية من شبكات التواصل إلى القنوات التلفزيونية الجماهيرية التي منحتها الإبهار وما يمكن أن نسميه الحصانة الثقافية.

معول التعليم
وحدد د. الشهري المرتكز الأساس في وقاية المجتمع من خلال صيانة اهم أركان التنمية وهم الشباب وذلك من خلال بناء شخصية الشاب الواعي بالتركيز على التعليم، مضيفاً: لم تعد هناك مؤسسة رسمية أو غير رسمية تمتلك حصة مهمة من وقت الشباب سوى مؤسسات التعليم، والمنزل فقد حصته، وكذلك الحي والنادي والمسجد، والتي تقلصت أدوارها وأوقاتها في بناء مرجعيات شخصية الشاب واليوم، ومن يمتلك الدور الأكبر بعد المدرسة هي الشاشات الإلكترونية سواء الفضائيات التي تجاوزت 600 قناة باللغة العربية أو مواقع وخدمات الإنترنت والهواتف الذكية، وطالب د. الشهري بالتنبه لخطورة إهمال تجويد محتوى هذه المحاضن، داعياً إلى تحقيق معادلة موزونة تتمثل في تعليم ذكي وتوعية ذكية لضمان بناء شخصية قيمية، تستطيع أن تتعامل مع كافة المتغيرات بسلبيات أقل ودون تأثر سلبي.


د. فايز الشهري

تهكم وسخرية
وأفاد عضو لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشورى: إننا من خلال متابعتنا لوسائل التواصل، نكتشف أن من يظن أنه لا يستفيد من أي قرار أو يرى أنه لا يمس مصالحه عادة ما يقابل هذا بشيء من السخرية والتهكم وأحيانا التذمر، وفي حال الشبكات الاجتماعية فان التهكم وثقافة "الطقطقة" غير الموضوعية أشبه بالعدوى التي تنتشر وتكتسح وتغيب معها الرزانة والرشد وتغليب صورة المجتمع ومؤسساته، ولذلك تجدنا على الشبكات الاجتماعية نحاول إرضاء الضمير بتناقضات مثل إعادة التغريد والنقل عن آخرين لا تعني الرفض أو الموافقة على المضمون، حسنا ماذا تعني إذاً؟ وفي الجانب الآخر فإن هناك محركين مثيرين يحاولون قلب كل الأمور الإيجابية إلى سلبية والتشويش على حسنات القرار أو المبادرة، وفي ذات الوقت ينقض هؤلاء المتربصين على السلبيات ويضخمونها حتى لو كانت لا تستحق، وبشكل عام إن أي فراغات فكرية وعاطفية نهمل العناية بها في شخصية وروح الشباب تعد بمثابة بطاقة دعوة للغرباء لاحتلالها وملء الفراغ بما يريدون.

قانون رادع
ويرى د. عمر الخولي -أستاذ القانون بجامعة الملك عبد العزيز- أن استشراء ظاهرة التهكم والسخرية والازدراء التي رصدت في المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي تندرج تحت المادة السادسة في نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية، مضيفاً: إن تلك الممارسات التي تصدر عن غير وعي بخطورتها وتأثيرها، وبالتالي تعرض صاحبها للمساءلة القانونية، الذي يصل إلى السجن والغرامة، وتتفاوت العقوبات، حسب تقدير السطلة القضائية لحجم الضرر وتأثيره. وأكد د. الخولي صدور العديد من الأحكام ضد أشخاص تورطوا في السب والقذف عبر شبكات التواصل ويقضون الآن فترة العقوبة في السجن، وحذر د. الخولي من تأثير تلك السخرية على السلم الاجتماعي واللحمة الوطنية، والتي هي أشبه مايكون بمرحلة المراهقة التي يمر بها الإنسان، ليكتشف في مرحلة متأخرة أنه كان يسيء لنفسه، وأن تلك الإساءة انقلبت عليه، وتوقع د.الخولي أن تخف حدة السخرية والتهكم في ظل القوانين الرادعة ومع مرور الوقت الذي يعزز النضج مجتمعياً وثقافياً، مطالباً في الوقت ذاته وسائل الإعلام بتسليط الضوء على جرائم النشر التي ترتكب عبر شبكات التواصل، ونشر القضايا التي تصدر فيها أحكام قطعية لأخذ العبرة وإدراك خطورة المساس بالآخرين، سواء كان ذلك بالسخرية أو التهكم، وغيرها من أدوات التعبير غير المنضبط . وكشف د. الخولي عن تراجع الكثير من نجوم السخرية والنقد غير الموضوعي بعد رفع قضايا تهكم ضدهم في المحاكم، مما حدا بالكثير منهم عن التوقف عن تلك الممارسات، وزاد بأن أي مجتمع معرض لهزات تكون عن قصد، مؤكداً وجود مستفيدين من زعزعة الثقة في السلطة والدولة، عبر قنوات إعلامية تدار من قبل أعداء يبتكرون أدوات للتأثير على الشباب، ومن ثم استخدامهم في الإساءة لبلدهم ولأنفسهم.


عمر الخولي