بيروت ليلى بسام (رويترز) - هوت مملكة الشعر يوم الجمعة بغياب الكاتب والشاعر اللبناني سعيد عقل الذي يعرفه العالم العربي بقصائده بعد مشوار طويل مع الحياة يزيد عن القرن أصدر خلاله عشرات الدواوين.



عقل هو الأب الروحي لأغنية (يارا الجدايلها شقر) وكان يتأرجح على حروف أغنية (لاعب الريشة) ويسقي الكلمات أنغاما تخرجها من الكتاب إلى أصوات الكبار.

عراب المجد على كتف بيت شعري ..استطاع أن يمنح القصيدة عقلا ينضح جمالا سطرا بسطر وان يتغزل بالأوطان من دمشق إلى بيروت فعمان والقدس ناظما أجمل الوصف للشام التي أعاد اليها الصيف .. وخاطبها من لبنان في أول الحرب الاهلية ‬‬‬التي دارت بين عامي 1975 و1990 قائلا "فأنا هنا جرح الهوى وهناك في وطني جراح وعليك عيني يا دمشق فمنك ينهمر الصباح."

نعاه اتحاد الكتاب اللبنانيين وجامعة اللويزة التي درس بها لأكثر من ربع قرن إضافة إلى معظم السياسيين والشعراء والمثقفين اللبنانيين.

وجاء في بيان أمين عام اتحاد الكتاب اللبنانيين وجيه فانوس "سعيد عقل وجود باق في تاريخ لبنان وفكره وأدبه طالما في لبنان جبال شامخة ونفوس أبية وايمان مطلق بوجود هذا الوطن."

وقال سهيل مطر نائب رئيس جامعة اللويزة "فجر هذا اليوم غيب الموت الشاعر الكبير سعيد عقل. مئة سنة وسنوات سقطت في لحظات لا مرض ولا وجع لا أنين في اجواء من الشعر والصلاة والموسيقى ودع الشاعر هذه الدنيا حمل بركة الرب ونعمة المحبة ورحل كما الاطفال وبكل براءة وطهارة ونقاء طوى الرجل الكبير جسده ارتدى ربطة عنقه الحمراء مسح جبينه وشعره الاسطوري وغادر هذه الدنيا وعلى وجهه ابتسامة الرضى والاكتفاء."



وأضاف "باسم الاهل والاصدقاء وباسم زحلة وجميع اهلها باسم جامعة سيدة اللويزة باسم اهل الثقافة ننعي إلى العالم هذا الرجل الكبير سعيد عقل واحتراما منا وتقديرا للمطربة الكبيرة صباح التي سيحتفل بالصلاة على نفسها يوم الاحد قررنا تأجيل كل ما يتعلق بالراحل إلى يوم الاثنين حيث يسجى في هذه الجامعة لالقاء النظرة الاخيرة" على ان يتم تشيعه في اليوم التالي.

ولد عقل في زحلة بالبقاع في شرق لبنان عام 1912 وعمل في التعليم والصحافة ولقب بالشاعر الصغير لأنه كان شاعرا منذ طفولته.

كتب عقل في الشعر والنثر وكان أول من سعى إلى الترويج "للغة لبنانية" بمعزل عن اللغة العربية واقترح أبجدية لاتينية لكتابتها.

ولسعيد عقل الكثير من المؤلفات الأدبية والشعرية ترجم بعضها إلى الفرنسية والإنجليزية وكانت باكورتها كتاب (بنت يفتاح) عام 1935.

تميزت اشعاره بالرمزية والفرح بعيدا عن التباكي وهو الذي قال يوما "في شعري شيء من الرمزية لكن شعري أكبر من ذلك يضم كل أنواع الشعر في العالم هؤلاء الذين يصدقون أنهم رواد مدرسة من المدارس ليسوا شعراء كبارا الشعراء الكبار هم الذين يجعلون كل أنواع الشعر تصفق لهم."

واعتبر من ابرز الشعراء الذين كتبوا المسرحية الشعرية فكانت له مسرحية (قدموس) عام 1944 والتي اعتبرت عمارة شعرية بمقدمة نثرية رائعة وشكلت لونا جديدا من الملاحم الشعرية.

وبين عامي 1944 و1960 نشر ثلاثة دواوين (المجدلية) و(رندلى) و(أجمل منك لا) كما أن له كتابات في النثر من بينها (مشكلة النخبة) و(لبنان إن حكى) و(شعر ونثر).

غنت الفنانة اللبنانية الكبيرة فيروز من أشعاره (لبنان الحقيقي جايي) و(ردني إلى بلادي).

تخصص عقل في رسم المدن بالحبر. فغنى مكة أهلها الصيد وقرأ مجد دمشق وشهر السيف في القدس وحصن عمان في القلب وتمشى على (شط اسكندرية). يدق الورد على بابه ليدخل إلى معقله الورقي ويقصده الحب طامحا في التوثيق وإعتلاء القصيدة ويخطط العشاق معه إلى الذهاب في (مشوار).

لم تعرف الأم أرقى من كلماته في (أمي يا ملاكي يا حبي الباقي إلى الأبد ولا تزل يداك أرجوحتي ولا أزل ولد). ولم تحلم البنات الشقراوات بأكثر من غزل يأتي على شكل (شال رندلى) أو على صورة (بحبك ما بعرف هن قالولي ومن يومها صار القمر أكبر ع تلالنا وصارت الزغلولة تاكل ع ايدي اللوز والسكر).

وعلاوة على تعمقه في اللاهوت المسيحي تعمق أيضا في تاريخ الإسلام وفقهه.

أثارت مواقفه من (اللغة اللبنانية) جدلا كبيرا كما في مواقفه المناهضة للوجود الفلسطيني المسلح في لبنان ابان الحرب الاهلية التي دارت بين عامي 1975 و1990 وترحيبه بالجيش الإسرائيلي ابان اجتياحه للعاصمة بيروت عام 1982.

عام 1962 انشأ عقل جائزة شعرية من ماله الخاص تمنح لأفضل صاحب أثر في الكتابة وحاز العديد من الكتاب اللبنانيين على هذه الجائزة وكان منهم الكاتب والشاعر زاهي وهبي.

وقال وهبي لرويترز "سعيد عقل شاعر كبير اعطى الشعر العربي واللغة العربية الفصحى كنوزا لن تفنى على الرغم من مواقفه التي ذهبت في اتجاه آخر. نختلف معه ولا نختلف عليه وعلى مكانته الشعرية الشاهقة. سعيد عقل ينتمي الى مجرة الشعراء المضيئة وتبقى قصائده حاضرة ومخترقة لحدود المكان والزمان"

ظل عقل يدرس ويكتب ويعمل حتى وقت ليس ببعيد وكان كلما زاد في العمر عاما زاد تألقا وعطاء وهو الذي لخص طموحه بالقول "الحياةُ العزمُ حتى إذا أنا انتهيتُ تَوَلّى القَبرُ عزمي من بَعدي."