القاهرة - عمرو حمزاوي (CNN)-- من بين مكونات ومحتويات عديدة لمسرح العلاقات الدولية، تحضر تقليديا أماكن مخصصة وأدوار محددة لمسئولين رسميين ولموظفين أمميين سابقين.



فبعض رؤساء الدول ورؤساء الوزراء والوزراء السابقين ومعهم موظفين أمميين انقضت فترات عملهم تكلفهم منظمة الأمم المتحدة (ممثلة في الجمعية العامة ومجلس الأمن ومكتب الأمين العام) أو هيئاتها ووكالاتها المتخصصة بمهام مختلفة تتراوح بين الوساطة في التوترات الدولية والصراعات الإقليمية ومساعي إنهاء الحروب الأهلية وممارسات التصفية العرقية وجنون جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية، وإدارة برامج عالمية تتناول قضايا كأوضاع اللاجئين ومكافحة انتشار الأوبئة والأمراض والطاقة والتغيرات البيئية ومحاربة التمييز وتمكين النساء وحماية الأطفال، والدعم الرمزي والمعنوي للأعمال والأنشطة الأممية كسفراء للنوايا الحسنة. والبعض الآخر من بين صفوف الرسميين السابقين تدفع به توافقات دولية وحسابات "محاصصة المناصب" بين القوى الكبرى والدول الإقليمية المؤثرة وتوجهات الرأي العام العالمي إلى مواقع قيادية في الأمم المتحدة وهيئاتها ووكالاتها، وتشمل قائمة المواقع المتنافس / المتكالب عليها الأمين العام للأمم المتحدة ومواقع الرئاسة والأمانة العامة في هيئات ووكالات كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والمجلس الاقتصادي-الاجتماعي ومنظمة اليونسكو.

إلا أن الأكثر إثارة هي الأماكن التي يشغلها نفر قليل من الرسميين والموظفين الأممين السابقين يرفعون إلى مصاف "حكماء العالم"، وتصنع حولهم إعلاميا من الهالات الإيجابية ما يمكن الرأي العام العالمي من نسيان أو تجاهل خطاياهم وأخطاءهم الفادحة حين كانوا في مواقع المسئولية. والأكثر أهمية هي الأدوار التي يضطلع بها هذا النفر القليل في صياغة توجهات دول كبرى وقوى إقليمية مؤثرة، وتبريرها، والترويج العالمي لها باستدعاء "خبراتهم الماضية" و"فهمهم العميق" لحقائق الحاضر وخطوط المستقبل. والأكثر سلبية هو تهميش رسميين وموظفين أممين سابقين آخرين لهم مواقف مشهودة في الدفاع عن السلم الدولي وعن قيم العدل والمساواة والحقوق والحريات كقيم إنسانية ملزمة، وفي السعي للحد من الصراعات والحروب والجرائم ورفض التوظيف المتصاعد للسلاح وللأدوات العسكرية وفي الانتصار لعالم متوازن لا تسطو عليه مصالح الدول الكبرى والقوى الإقليمية المؤثرة والشعوب الغنية وتمثل به الدول المتوسطة والصغيرة ومصالح الشعوب الفقيرة.

في ذهني أسماء محددة. مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كسينجر، والذي شغل مناصبه في نهاية ستينيات القرن العشرين وفي سبعينياته، ينظر له غربيا وعالميا كحكيم "الواقعية" وينصت له ولآرائه في عواصم مختلفة ويحتفى اليوم بدفاعه عن الدولة الوطنية كالبطل الأول على مسرح العلاقات الدولية وضرورة قيادة الدول الكبرى والمراكز الإقليمية المؤثرة للعالم وفقا لحظوظها من القوة وعبر خليط من التنافس المحكوم والتعاون المنظم. كسينجر، الذي يروج في الولايات المتحدة الأمريكية لحتمية الابتعاد الكامل لإدارة أوباما عن حديث الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات في تحديدها لجوهر علاقاتها بدول غير ديمقراطية كروسيا والصين والسعودية ومصر ويطالب واشنطن بالاعتماد على "حلفائها التقليديين" ومواجهة خطر انسلاخ مناطق في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا وأمريكا اللاتينية بعيدا عن النفوذ الأمريكي ويطرح ذلك كالسبيل الوحيد لاستعادة السلم العالمي، هو نفسه المسئول الأسبق الذي أطال من الحرب على فيتنام وعارض انسحاب القوات الأمريكية ولم تعنيه جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت بحق الشعب الفيتنامي. هو نفسه الذي دبر لانقلابات عسكرية في بعض دول أمريكا اللاتينية ووظف أجهزة الاستخبارات للإطاحة برؤساء وحكومات يسارية (منتخبة كانت آنذاك أو غير منتخبة). هو نفسه الذي وضع الحفاظ على بقاء وأمن إسرائيل في موقع متقدم على قائمة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، ولم يرد في الشرق الأوسط إلا الدفاع عن إسرائيل وإمدادات النفط بأسعار عالمية مناسبة للغرب وتحجيم النفوذ السوفييتي آنذاك. هو نفسه الذي كان يمارس الدبلوماسية الدولية مع حكام مستبدين، رؤساء وملوك، وأجهزة استخبارات ولا يتوقف طويلا أمام انتهاكات للحقوق وللحريات وغيرها من الجرائم المرتكبة من حكومات وأطراف متحالفة مع الولايات المتحدة. هو نفسه الذي يروج له اليوم كحكيم يستطيع بواقعيته أن يخرج العالم من أزماته المتتالية - واقعيته مجددا لا تعني إلا مصالح الأقوياء من دول كبرى ومراكز إقليمية مؤثرة ولتذهب مصالح الفقراء والضعفاء وقضايا الحقوق والحريات والتنمية المستدامة والاستقلال الوطني إلى الجحيم، واقعيته مجددا تؤيد حرب دولية على الإرهاب يستخدم بها فقط السلاح، واقعيته مجددا تضغط على مراكز صنع القرار في الغرب لقبول منظومات الحكم / السلطة غير الديمقراطية في رسيا والصين والسعودية ومصر والتعاون معها دون مطالبة الأطراف كلها بوعي نقدي أن سبيل الإبقاء على الدول الوطنية هو العدل والديمقراطية وسبل النجاح في الحرب على الإرهاب ترتبط بتجاوز الاعتماد الأحادي على السلاح والأدوات العسكرية، واقعيته مجددا في الشرق الأوسط تدافع عن أمن إسرائيل وتستخف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وبحق شعوبنا في الحرية.

وعلى درب كسينجر يسير، وإن بنجاح أقل، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير الذي ورط دولته والبشرية في حرب أمريكية أولى على الإرهاب (في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001) شهدت انتهاكات منظمة لحقوق الإنسان وجرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية حين غزت القوات الأمريكية والبريطانية أفغانستان والعراق، وخدع الرأي العام العالمي بأكاذيب أسلحة الدمار الشامل العراقية وبرر لغزو واحتلال العراق ثم لإعمال معاول الهدم والتدمير في مؤسسات الدولة الوطنية وترك العراقيين للطائفية والمذهبية المقيتتين ولوحشية ودموية القوى الطائفية وانشطارات القاعدة الإرهابية، ومرر انتهاكات للحقوق وللحريات أثناء توليه رئاسة الوزراء في بريطانيا التي عرفت حكم القانون الحديث قبل غيرها من الدول الأوروبية. توني بلير هذا، وهو مبعوث الرباعية الدولية لمفاوضات السلام بين إسرائيل والفلسطينيين في إشارة إضافية لعبثية المفاوضات والتفاوض، يحاضر الآن في العواصم الغربية والعربية مروجا للحرب الأمريكية الجديدة على الإرهاب، وللتحالف بين الغرب وإسرائيل وبين منظومات الحكم / السلطة غير الديمقراطية في بلاد العرب، ولتجاهل قضايا الحقوق والحريات والتنمية المستدامة بعد أن كان قد وظفها مع المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية كمجموعة مبررات إضافية للحرب الأولى على الإرهاب ولغزو أفغانستان والعراق وإسقاط النظم الحاكمة.

في المقابل، يهمش عالميا رسميون وموظفون أمميون سابقون لهم سجل إيجابي بشأن قضايا السلم العالمي ويمزجون بين واقعية تستند إلى ضرورة اضطلاع الدول الوطنية بإدارة العلاقات الدولية وبين حتمية انضباط السلوك الداخلي لحكومات هذه الدول بالديمقراطية وحكم القانون والتنمية وسلوكها الإقليمي والدولي بدعم التعاون بجانب التنافس المحكوم وبالابتعاد عن التوترات والصراعات والحروب واحتواءها والتخلي عن أسلحة الدمار الشامل. هنا على قائمة المهمشين أسماء أوروبية وآسيوية وإفريقية وأمريكية لاتينية كثيرة وبعض الأسماء من الولايات المتحدة الأمريكية، من بينها المستشار الألماني الأسبق هيملوت شميت (تولى المستشارية في سبعينيات القرن العشرين) ووزير الخارجية الجزائري الأسبق الأخضر الإبراهيمي والرئيس البرازيلي السابق لولا دا سيلفا ونائب الرئيس الأمريكي الأسبق آل جور. هؤلاء لا يتحركون دوليا على نحو يقترب من حركة كسينجر وبلير ومن على شاكلتهم، ولا ينصت لأفكارهم وآرائهم الباحثة عن واقعية عادلة وديمقراطية وتنموية للعالم كما ينصت لدعاة مصالح الأقوياء والحروب على الإرهاب وتحالفات المستبدين والسلطويين. وفي الماضي، لم ينصت حقيقة لغاندي ولم يعامل مانديلا إلا كشخصية يحتفى بها وليس بمبادئها وقيم الإنسانية التي حملها.

هذا المقال كتبه عمرو حمزاوي،
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة،
وهو يعبر عن رأيه ولا يعكس بالضرورة رأي شبكة CNN.