المعلق :

لم يُعرض هذا الفيلم في زمن الحرب البريطانية، إذ يصور الجيش الياباني على الدرجات الهوائية وهو يجبر البريطانيين على الانسحاب، ليس هذا أول تراجع يعانيه البريطانيين منذ عام 1939 لكنه كان الأشد مهانة.

حصل ذلك لأن القائد البريطاني كسر قاعدة أساسية من قواعد الحرب تنص على عدم الاستهانة بالعدو.

للجيوش طرق مختلفة للاستهانة بأعدائها، تعتقد أنها تتفوق عليها بالسلاح أو بالمناورات.

القائد :

كتيبة إلى الأمام تقدم.

المعلق :

تعتقد أن رغبتها في النصر أقوى، وأن قضيتها هي الأسمى، ولكن أكبر الأخطاء فداحةً تنبع من الأحكام المسبقة.

كثيراً ما يؤدي عدم أخذ هوية العدو أو ملامحه في الاعتبار إلى كوارث مميتة.

في أوج عصر الإمبراطورية هاجم اثنا عشر ألف جندي بريطاني شعب "الزولوا".

سعت بريطانيا لإحكام السيطرة على جنود إفريقيا ولكن "الزولوا" كانوا لها بالمرصاد.

جاء الرد على ذلك بحرب قصيرة ويسيرة.

بدت الحماقة البريطانية مبررة في معركة "روكس بريخت" قمع آلاف الأفارقة المهاجمين هنا على يد عدد قليل من الجنود البريطانيين الذين اعتبروا رمزاً للتضحية في اللوحات الفنية والأشعار والأفلام.

ولكن قمةً تحدثت عن المعركة التي سبقت ذلك مباشرةً، ها هي "إيساندلوانا".

هنا وقع ما لم يكن منتظراً في الحادي والعشرين من يناير عام 1879 تم جيش "الزولوا" من القضاء على القوات البريطانية في معركة توقع البريطانيون كسبها، لم يتم التفوق على البريطانيين في ذلك اليوم بالعدد وحده بل وبالحيلة أيضاً.

دايفيد راتراي :

أعتقد أن النفسية التي سيطرت على البريطانيين هي التي سببت هذه الكارثة، وقد عبرت المسألة عن ذاتها عبر الأستهانة بالعدو، واعتباره شراذمة من المتوحشين.

المعلق :

توجهت القوات البريطانية إلى عاصمة "الزولوا" بقيادة اللورد "تشيلمس فورد" وهو من أصدقاء الملكة "فيكتوريا" المقربين.

قررت "تشيلمس فورد" نصب مخيم، وإقامة ليلة عند أسفل التلة "إيساندلوانا".

لم يأبه اللورد بتهديدات "الزولوا" مما جعله يتخلف عن اتخاذ إجراءات احتياطية.

دايفيد راتراي :

تخلف "تشلمس فورد" عن تحصين المخيم ولم يقم بحفر خنادق حول حدوده، وكان هذا جزءاً من الأوامر العامة مما يعني أنه لم ينفذ التوجيهات المحددة، على كتب التاريخ أن تدينه لعدم تحصين المخيم، وعدم توزيع العربات وفق ترتيب دفاعي لتصبح سياجاً، وأدان التاريخ "تشلمس فورد" لعدم إقامته السياج.

هذا كاريكاتير معاصر يشير إلى بعض التعالي والعجرفة في جيش محترف ومدرب، كيف لهذا أن يحدث للبريطانيين في حملة كهذه؟ من الصعب جداً تفسير ذلك.





المعلق :

رأى الجنود الذين هاجموا أراضي "الزولوا" أنفسهم أقوى الوحدات المقاتلة في العالم.

دايفيد راتراي :

كان عناصر الجيش البريطاني من أعلى رتبة فيه، وهو اللورد "تشلمس فورد" إلى أقل جندي واثقين من تفوقهم.

كانوا على ثقة بأن لونهم الأبيض وانضباطهم وتفوقهم التقني يجعلهم متفوقين على الجميع.

لا شك في أنهم كانوا أفضل تسلحاً وعتاداً من رجال "الزولوا" ولابد من القول: إن عامل العنصرية جعلهم يعتقدون أنهم أمام قلة من المتوحشين، فظنوا أنهم حين يطلقون النار عليهم سيهربون في جميع الاتجاهات، وقد فوجئوا عندما لم يحدث ذلك.

لم يرد ملك "الزولوا" نشوب هذه الحرب، ولكنه كان مستعداً لها، ذلك أن لـ"الزولوا" تقاليد عسكرية يفخرون بها.

عومل جيش الملك بجد من قِبَل الذين شاهدوه في المعارك، وقد حذر المستوطنون البيض "جيلمس فورد" من قوة "الزولوا" ومن سرعتهم ومقاومتهم وبراعتهم في التحرك.

لكن تجارب "تشيلمس فورد" الإفريقية اقتصرت على الرأس الشرقي، حيث اعتاد العدو على تكتيك الكر والفر في حرب العصابات، كان على ثقة بأن "الزولوا" يفضلون القتال بالطريقة نفسها، وبأنه سيجبرهم على الخروج.

لم يتوقع أن يسعى "الزولوا" إلى مواجهته، فأرسل دوريات للبحث عن رجالهم.

نرى هنا جيش "الزولوا" يستعمل التكتيك الذي ما زلنا نستعين به في المعارك حتى يومنا هذا، وهو التحرك المموه.

لقد شاهدت طلائهم فرقة صغيرة تقترب من جيش "الزولوا" فأرسلت فرقة مشابهة لتلعب دور الطعم.

راحت الدورية تطلق بعض العيارات النارية قبل أن تختفي وسط الأعشاب.

دايفيد راتراي :

قال "نابوليون": إن الجنرال الذي يرتكب أقل أخطاء يفوز في المعركة، ولا شك في أن "الزولوا" هنا ارتكبوا أقل عدد ممكن من الأخطاء، أما إذا أحصينا الأخطاء البريطانية فهي كثيرة.

المعلق :

في الساعة الواحدة والنصف من تلك الليلة سمعت "شيلمس فورد" بأن فرقته عثرت على "الزولوا" فأمر نصف قواته بالاستعداد لمغادرة المخيم، وفي الرابعة والنصف قاد رجاله للانضمام إلى الفرقة.

ترك اللورد نصف قواته فقط في المخيم، وصار النصف الآخر في الاتجاه الخطأ، أي أن شرك "الزولوا" قد نجح.

دايفيد راتراي :

كانوا يتحركون وكأنهم في نزهة، يكفي أن نوضح ذلك بالقول: إن اللورد "شيلمس فورد" تناول طعام الفطور في ذلك الصباح مستعيناً بآنية ثمينة من ملاعق فضية وغيرها، وهذا ما يشير إلى مستوى الازدراء في تصرفاتهم هناك، وهذا شيء مقيت.

المعلق :

بدأت المعركة و"فورد" على بضعة أميال، لكن اللورد عين مكانه المقدم "هنري بوليين" لقيادة المخيم، وهو عسكري بيروقراطي، ولم يسبق أيضاً أن سمع صوت طلقٍ يصدر عن غضب.

دايفيد راتراي :

كان "هنري بوليين" في خيمته المجاورة لخيمة "شيلمس فورد" حين جاءه أحد المراقبين يحمل نبئا مخيفاً فحياه قائلاً: أيها المقدم "بوليين" هناك آلاف من رجال "الزولوا" عند أعلى الجبل، ويبدو أنهم يتقدمون باتجاه ميسرة المخيم "ساندلوانا".

توجه "بوليين" إلى حيث كان الرجال يتناولون طعام الصباح، وأمرهم بترك الطعام والانتشار في تشكيلات قتالية لمواجهة التهديد.





المعلق :

تذمر الجنود للتوقف عن متابعة الطعام، لم يبدُ القلق على أي منهم أو من ضباطهم.

دايفيد راتراي :

كتب أحد الضباط الناجين إلى الوطن فيما بعد يقول: "سبق أن رأينا أعداداً كبيرة من الرجال على الجبهة، لكننا لم نقلق ولم نفكر أن "الزولوا" سيهاجموننا.

المعلق :

كان يجب أن يقلقوا أشد القلق؛ لأن جيش "الزولوا" المؤلف من خمسة وعشرين ألف رجل كان يخيم على مسافة أربعة أميال فقط.

دايفيد راتراي :

كان عملاً رائعاً إذ استفاد "الزولوا" من عنصر المفاجأة، خلف هذا السفح بالتحديد اختبأ جيش "الزولوا" كله، وتقول بعض المصادر: إنه قبل واقعة "إي سندلوانا" بعدة أيام احتشد جيش "الزولوا" واختبأ هناك.

المعلق :

في الحادية عشر والنصف توجهت الفرقة البريطانية لسفح الجبل، وقد تعرضت هناك لصدمة لم تعرفها من قبل.

دايفيد راتراي :

يشعر المرء بما صعقوا به عندما صرخ الرجال قائلين: أمسكنا فجأة بالجياد لمنعها من السقوط في واد سحيق، فنظروا مرهوبين إلى ما في الوادي.

كانت تحتهم ووراءهم صفوف على طول النار لا حدود لها، تمتد نحو الشرق على مد البصر، يتحركون بصمت بالغ، وبكامل عتادهم العسكري، وبالانضباط الذي عرف به جيش "الزولوا".

وأي لحظة كانت تلك؟

المعلق :

عندما رأت الفرقة البريطانية جيش "الزولوا" تملكتها حالة من اليأس والحماقة، فأطلق الرجال الثلاثون النار على خمسة وعشرين ألف رجل من "الزولوا".

جار رد "الزولوا" مباشراً وحاسماً فأخذ الجيش كله يتحرك فرقة بعد أخرى.

فر البريطانيون عائدين إلى المخيم تطاردهم وحدة من جيش "الزولوا" وسرعان ما وصل النبأ إلى "بوليين".

دايفيد راتراي :

ما كان من "بوليين" إلا أن قال: لدي ألف وسبعمائة وأربعة وسبعون رجلاً من بينهم ألف جندي يتمرس يتسلحون بعتاد حديث، وببنادق من نوع "مارتيني هنري" يمكن لهذه البنادق أن تطلق اثنتي عشرة طلقة في الدقيقة، وهي تطلق ستمائة رصاصة من على بعد ثمانمائة متر.

ورد "بوليين" بالقول: تقدموا أيها "الزولوا" تقدموا.. فسوف نضرب ونحيل الأرض خراباً.

المعلق :

بدأ الجنود البريطانيون إجراءاتهم المدربين عليها، لكن "الزولوا" أخفوا مزيداً من المفاجئات.

في الساعة الواحدة إلا ثلثاً فوجئ أحد الجنود بهجوم "الزولوا" الذي عرف بتكتيك قرني الثور، وفي أثناء التوجه نحو المواقع ظهر الجناح الثاني من جيش "الزولوا".

دايفيد راتراي :

انتشر محاربو "الزولوا" بوضعية تشبه قرني الثور، وكان هذا هو السبب الذي شكل مع القرنين جزءاً من الفرقة.





المعلق :

سرعان ما استقر صدر الثور وقرناه في تشكيلة واحدة، ومع إقفال تشكيلة القرنين تبدأ مرحلة أكل العدو.

تطلب تكتيك "الزولوا" القيام بهجوم مباشر على مصدر نيران الجيش البريطاني، وأصبح معدل الخسائر هائلاً، مع ذلك استمروا في التقدم.

وقف عامل آخر إلى جانب "الزولوا" هو الحافز والاندفاع.

دايفيد راتراي :

كان الجميع يعرف أن هذا جيش أجنبي قادم إلى أراضي "الزولوا" وكأنه شخص حطم باب البيت، وانقض مهاجماً، هذا ما فكر فيه الرجال الذين شاركوا في هذه الحرب، وعبروا الأودية للاقتراب من تلك الأسلحة، وقتل الذين يطلقون النار عليهم.

يمكن أن نسمي هذا هجوماً، هل يمكن أن تتخيل هجوماً عبر مسافات بعيدة، عبر هذا الوادي؟ إنها عملية صعبة، وهي مخصصة لطرد اللصوص من البيت.

المعلق :

بعد هذا تقدم "الزولوا" باضطراب، أخذت بنادق "مارتيني هنري" تحصد النتيجة المرجوة.

دايفيد راتراي :

شهدت المعركة مرحلة بدا فيها البريطانيون وكأنهم يحققون النصر، كان الرجال يتمتعون بمعنويات عالية، وهم يضحكون ويمرحون وعلى قناعة بأنهم سددوا ضربة إلى السود.

المعلق :

وقع رجال الزولوا في مأزق بعد عجزهم عن التقدم، فاختبأوا بين الأعشاب العالية، عند ذلك نزل أحد زعماء "الزولوا" إلى ساحة المعركة ليقف أمام الجنود المتراصين، ويصرخ بهم أن يتقدموا قائلاً: الملك لم يأمركم بالتوقف بل أمركم بالقتال.

أحد السود :

شارك في هذه المعركة جد والدي، كان يقف في ذلك الموقع هناك، سحب أحد جنود العدو إلى الحفرة وحاول قتله، ولكن بدل ذلك قتل هو، لقد مات هناك.

المعلق :

تابع "الزولوا" تقدمهم حتى أطبق القرنان، تصدع الجدار البريطاني بفعل قوات "الزولوا".

ثمة قصص عن نفاد ذخيرة لدى بعض الجنود، وأخرى عن تعطل البنادق، وفرار الذين ولدوا في إفريقيا، ومع استمرار تقدم "الزولوا" تصدعت صفوف البريطانيين.

راقب جنرال "الزولوا" "سلوايو" من على إحدى الصخور ما يجري مطمئناً إلى نجاح خطته، كانت تلك أفضل لحظات حياته.

دايفيد راتراي :

كانت معركة طاحنة وقد مرت بلحظات كادت تشهد فيها انتصاراً للبريطانيين، وقد لعبت المزايا العسكرية الجيدة دوراً فيها، وكان منها التكتيك الجيد وحسن استخدام الأرض، وبراعة الرجال والتحرك والاتصالات.

لكن البريطانيين أخفقوا في العديد منها، فيما أفلح "الزولوا" في كثير منها، مما جعلهم يحققون النصر.

يجب أن نكف عن التعامل معها كهزيمة وكارثة بريطانية على يد أعداد هائلة من المتوحشين المندفعين من أعالي التلال يظللون الأرض برماحهم، هكذا تقول أشعار تلك المرحلة.

انسوا ذلك، كانوا رجالا شجعاناً من بني البشر، يقاتلون بأوامر من قادة أذكياء نفذوا خطة رائعة، انتهت في غضون ساعتين فقط، لقد تغلبوا فيها على الجيش البريطاني العصري.





المعلق :

لم ينعم الجنود بفرص في النجاة، فقد تفوقوا عليهم بالعدد والمناورة فتساقطوا أفراداً ومجموعات.

عندما بلغ اللورد نبأ واقعة المخيم سخر مبتهجاً، وقال أحد ضباطه: إن هذا مسلٍ جداً.

وفي المرحلة الأخيرة من المعركة أظلمت الأجواء، كانت تلك لحظة حرجة، وبعد ساعات من ذلك عاد "فورد" فوجد الجثث في انتظاره، إذ قتل في المعركة ألف وثلاثمائة جندي من رجاله.

دايفيد راتراي :

علق أكثر الرجال الذين شاركوا في هذه المعركة رهينة غباء ضباطهم، ولم يتمكنوا من الذهاب إلى أي مكان بعد أن تم عزلهم تماماً دون جياد يفرون بها، كما فعل كثير من الضباط فذُبِحوا هنا، هذه حقيقة منسية، أعتقد أن المعركة التي وقعت هنا أكثر مأساوية من ذلك.

المعلق :

إن استخفاف "فورد" بقدرات أعدائه كلف الجنود غالياً.

دايفيد راتراي :

هذا بلاء أصاب الجيوش الأوروبية فترة طويلة، وقد شكل خطأً فادحاً؛ لأن هؤلاء الناس لا يهتمون بم هو لونك، ولا يعرفون بلدك، وأكثر ما يهمهم ما تملكه من بأس في الحرب، وبراعة في الأداء.

المعلق :

في بريطانيا عدة واقعة "إي سندلوانا" مأساة طبيعية لا يمكن تعلم أي درس منها، استمر الجيش والضباط البريطانيون في دفع ثمن استهانتهم بقدرات العدو.

في عام 1942 كان الجنرال "آرثر بير سيفل" على وشك أن يتعرض لإحدى أبرز الهزائم البريطانية في هذا العصر، أخطأ "بير سيفل" في تقدير ونية أعدائه، فانتزع بذلك رغبة رجال في القتال.

اعتبرت سنغافورا موقعاً بريطانياً صلباً في أقصى الشرق، وفي الثلاثينيات جعلت بريطانيا من الجزيرة حصناً منيعاً وقاعدةً بحرية كبرى، تدافع عنها مدافع هائلة موجهة كلها نحو البحر الذي توقع الجميع قدوم العدو منه.

سياسي :

قال لنا دائماً: إن سنغافورا لن تسقط أبداً، وإنها مفخرة للإمبراطورية البريطانية، وبخاصة أنها تملك مدافع هائلة في مواجهة البحر، فإن جاء العدو من البحر فلن يتمكن من الاستيلاء على سنغافورا، اعتقدنا أن سنغافورا لن تسقط أبداً، فهي حصن منيع.

المعلق :

اطمأن البريطانيون إلى ثقتهم بأنفسهم، كانوا يعرفون من هو العدو، لكنهم لم يروا أي تهديد جديد.

سياسي:


اعتبر اليابانيون أقزاماً يعانون قصراً في النظر، ويخافون المرتفعات، ويجهلون التحكم بالآلات، وأنهم جاءوا بآلات بسيطة معهم، كلها مسائل غير منطقية، ولكنهم صدقوها جميعاً.





المعلق :

كان من المنتظر أن يشكل اجتياح اليابان للصين الذي جرى عام سبعة وثلاثين تحذيراً، ولكن ثقة البريطانيين الزائدة بأنفسهم استمرت.

سياسي :

علموا من المراقبين الذين شاهدوا اليابانيين في الحرب الصينية أنهم قساة أشداء، ويتصرفون أحياناً بطرق وحشية، لكنهم يتمتعون بكفاءة عالية أيضاً، لكن ما يحدث عادة هو أن الناس ينظرون إلى الذكاء، ولا يصدقون ما يرونه؛ لأنه لا يلائمهم، وهذا ما يندرج ضمن الاستهانات بالعدو.

المعلق :

يسود اعتقاد بأن تكتيكات الهجوم الياباني قد باغتت البريطانيين، كما تبين أن توجيه المدافع نحو البحر كان خطأً جسيماً، بالإضافة إلى حقيقة ثبتت طوال أعوام مفادها: إن خطة الدفاع عن سنغافورا كانت من غير طائل.

تأكد عبر التاريخ أنه من المستحيل على أي محتل بلوغ سنغافورا إلا من البحر، إذ تقع "ملايو" إلى الشمال، وهي بلد كثيف الأدغال، ويستحيل اختراقه مما يجعله خطاً دفاعياً مهماً للجزيرة.

لكن "ملايو" تحولت إلى المصدر الأساسي للمطاط في العالم، وأخذت الشوارع تعبر الجزيرة لتسمح بوصول رجال الأعمال والتجار والغزاة.

سياسي :

شيدت شبكة من الطرقات، وتوسعت سكك الحديد، وأزيلت الأدغال لتعزيز مزارع المطاط، وفي أواسط الثلاثينيات أصبح ممكناً التفكير في قدرة الغزاة على عبور "ملايو" وصولاً إلى سنغافورا.

المعلق :

عام سبعة وثلاثين صاغ البريطانيون تقريراً يتوقعون فيه بدقة سبل الاجتياح الياباني، لكن الحكومة لم تحرك ساكناً لترددها في إنفاق الأموال، وإصرارها على أن اليابان لا تشكل أي تهديد.

كان المقدم "بيرسيفيل" قائداً للجيش في سنغافورا، كان ضابط أركان في ثلاثينيات القرن العشرين، ولعب دوراً مهماً في صياغة تقرير عام سبعة وثلاثين، لكنه اعتقد أنه لا يستطيع فعل شيء لإرغام الحكومة على التصرف.

سياسي :

قد يعتقد المرء بأن "بيرسيفيل" سيزيل كل العوائق من أجل سبل الدفاع عن ملاييو وسنغافورا بما لديه من جيش قوي، ولكنه كان عسكرياً وفياً، حاول القيام بما اعتقد أنه أفضل ما يستطيع عمله.

أعتقد أن "آرثر بيرسيفل" كان قائداً ضعيفاً لا شك في أنه كان قائداً قتالياً وشجاعاً في الحرب العالمية الأولى، ولكن هذا مستواه الحقيقي، عرف بعدم تقبله لعدد من القادة الذين كانوا تحت إمرته من خارج كلية الأركان، أظنه كان يجمع بين صفات العسكري المغرور والشخص الضعيف معنوياً.

بلغ الأمر بقائد الهندسة العميد "سامسون" أن دعا "بيرسيفل" إلى تنفيذ برنامج التحصينات وتعزيز الدفاعات، ولكن الأخير رفض الفكرة كلياً مبرراً ذلك بأن بناء التحصينات سيؤثر سلباً في المعنويات، وقد عني ذلك دعوة القوات إلى الجلوس في انتظار مجيء العدو، لاشك في أن التفاهم بين "سامسون" و"بيرسيفل" كان غائباً، وقد نزلت الكارثة واتضح أن "سامسون" كان على حق.