الجزائر - (شينخوا) اكتملت دائرة التعاون بين الجزائر والصين مع تتويجها بإعلان البلدين الإرتقاء بعلاقاتهما الثنائية إلى شراكة إستراتيجية شاملة يوم (الاثنين) والتي بدأت بخطوات ثابتة تمتد جذورها إلى سنوات التحرر وإقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما في 20 ديسمبر 1958 وما تبع ذلك من تعاون مبني على الصداقة والثقة الدائمتين.



وقد تم إرساء النوايا الأولى لهذا الإعلان، الزيارة التي قام بها الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة إلى الصين في نوفمبر 2006 والتي أعلن فيها من على منبر جامعة بكين أن "علاقاتنا التي شهدت تطورا متميزا خلال السنوات الأخيرة، تطورا ترجمه خلال زيارتي هذه إبرام الإعلان حول الشراكة الإستراتيجية الذي سيأتي بفضله منح هذه العلاقات المتانة والكثافة الجديرتين بصداقة شعبينا المثالية".

واعتبر حينها بوتفليقة أن تدشين هذه المرحلة الجديدة ستمكن العلاقات التي تربط البلدين من "تحقيق قفزة نوعية تتيح لها ترقية وشائج قوية تطبعها الثقة والدوام .. وتعكس الوفاق السياسي السائد بين الجزائر والصين".

وقال القيادي في جبهة التحرير الوطني الجزائرية الحاكمة ورئيس اللجنة الخارجية في البرلمان عبد الحميد سي عفيف لوكالة أنباء (شينخوا) اليوم (الثلاثاء) "إن العلاقات التاريخية بين البلدين تستمد جذورها منذ مرحلة الإستعمار أو التحرر ونحن نعتبر أن قاعدة هذه العلاقات تنطلق من التاريخ المشترك وطبيعة الحكم في البلدين، فجبهة التحرير الجزائرية حررت البلاد والحزب الشيوعي الصيني يقود البلاد أيضا".

وأوضح أن هذه العلاقات مرت بمراحل "حيث إنه خلال مرحلة التحرر استقبلت الصين وفدا جزائريا قبل الإستقلال وهي مرحلة مهمة من مراحل التحرر للجزائر وكانت نواة للقاعدة الصلبة التي ميزت علاقات البلدين".

وأضاف أنه "بعد الاستقلال (1962) كل العناصر كانت تصب في مصلحة التقارب والتضامن وتعزيز العلاقات بالخصوص وأن لا شيئ طرأ على هذه العلاقات وخلق توترا بين البلدين إذ أن هناك انسجاما في مواقف البلدين بخصوص القضايا الدولية".

وكانت الجزائر لعبت دورا مهما في استرجاع الصين مقعدها في الأمم المتحدة في السبعينيات وقد رعت مشروع قرار يدعو إلى إعادة جميع الحقوق المشروعة للصين في هذه الهيئة الدولية.

وقال سي عفيف "الآن هناك إرادة أخرى بين قادة البلدين من أجل الذهاب إلى تطوير المجال الإقتصادي بحيث بدأت العلاقات تتطور في هذا الجانب من خلال تقوية العلاقات التجارية وارتفاع حجم التبادلات والوجود القوي للمؤسسات الصينية في الجزائر".



وأضاف "إننا نفتخر بالمستوى المتميز الذي وصلت إليه العلاقات التجارية بين البلدين والتي بلغت قيمتها 8 مليارات دولار في العام 2013 وهي قفزة سريعة في السنوات القليلة الأخيرة".

يشار إلى أنه ولأول مرة في تاريخ علاقات البلدين صنفت الصين كأكبر شريك تجاري للجزائر خارج المحروقات في عام 2013 لتسبق بذلك فرنسا الشريك التجاري التاريخي للجزائر، كما أن حجم التبادل التجاري السنوي بينهما يزداد بنسبة مليار دولار سنويا.

يذكر أن قيمة المبادلات التجارية بين البلدين كانت في حدود 3.8 مليار دولار فقط في عام 2007.

وأشار سي عفيف إلى أن "الشركات الصينية تستحوذ على استثمارات بقيمة 20 مليار دولار في مجال البنية التحتية والمنشآت الكبيرة في الجزائر"، معتبرا أن إسناد هذه المشاريع للشركات الصينية "هي ثقة وضعها الرئيس بوتفليقة في المؤسسات الصينية وتعبر عن الإرادة القوية للتعاون بين البلدين".

وأشاد سي عفيف بنجاح الحزب الشيوعي في إدارة الدولة قائلا "لاحظت أن المدرسة النضالية للحزب الشيوعي الصيني أصبحت كمرجع، إذ عرفت كيف تتكيف مع كل التطورات الحالية من الناحية السياسية والإقتصادية وعرفت كيف تحمي البلاد من كل الهزات الخارجية".

واعتبر أن "الحزب الشيوعي الصيني أصبح مدرسة ومرجع بالنسبة للأحزاب التي تريد الخير لبلدها".

وقال "لقد كنت من الداعين دوما إلى الإرتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى المستوى الإستراتيجي الشامل لأن الجزائر بحاجة إلى الصين والصين بحاجة إلى الجزائر كحليف اقتصادي وسياسي قوي، أعتقد أنه لا بد على القادة العمل على إعطاء دفع جديد للتعاون ووضعه في خانة العلاقات المتميزة".

وتشهد العلاقات بين البلدين زخما كبيرا من خلال الزيارات المتبادلة رفيعة المستوى للمسئولين على كل المستويات السياسية والإقتصادية والبرلمانية والحزبية، مع دفع البلدين إلى فتح خط جوي مباشر بينهما بالخصوص مع ارتفاع عدد العمال الصينيين في الجزائر إلى أكثر من 30 ألف عامل وهو الأعلى بين جميع العمالة الخارجية وارتفاع عدد التجار الجزائريين الذين أصبحوا يفضلون الوجهة الصينية.

وتشارك الشركات الصينية بنشاط كبير في مشروعات البناء الكبرى بالجزائر ومن بينها مشروع بناء الوحدات السكنية والطريق السريع الذي يربط شرق الجزائر بغربها على طول (1200 كلم)، وهو مشروع مهم بالنسبة للجزائر إلى درجة اعتبرته الحكومة الأكبر على المستوى المتوسطي والإفريقي والذي تهدف من خلاله إلى تحسين حياة المواطنين وتحفيز النمو الاقتصادي.

وتبلغ تكلفة هذا المشروع الذي أوشك على الإنتهاء منه 11 مليار دولار أمريكي، وتشرف شركة ((سيتيك- سي ار سي سي)) الصينية على إنجاز الجزأين المهمين من الطريق الأوسط والغربي وهو يكتسي أهمية إستراتيجية باعتباره يوفر أكثر من 100 ألف فرصة عمل جديدة ويسمح بتخفيف ازدحام شبكة الطرق الوطنية.

وكان وزير الأشغال العمومية الجزائري السابق عمار غول الذي عرفت فترته إنجاز النسبة الكبيرة من هذا الطريق صرح بأن نجاح هذا المشروع قد "عزز الصداقة بين الجزائر والصين".

وامتد التعاون بين البلدين ليشمل كل المجالات تقريبا منذ إنشاء البلدين عام 1982 اللجنة المشتركة للتعاون الاقتصادي والتجاري والفني التي من المقرر أن تعقد هذا العام دورتها السابعة في الجزائر، امتدت إلى مجالات الطاقة والزراعة والبناء والبحث العلمي والثقافة والإنتاج الحيواني ومحاربة التصحر والري وتعبئة الموارد المائية والصناعة والتعاون العسكري والمجال النووي والصحة والبرلمان.

وأخيرا التعاون الفضائي الذي تم في عام 2013 حيث وقع البلدان على اتفاقية للتعاون الثنائي في مجال العلوم والتكنولوجيا والتطبيقات الفضائية بين الوكالة الفضائية الجزائرية ونظيرتها الصينية وتتعلق بالإستعمال السلمي للفضاء الخارجي منها على الخصوص الشق الخاص بالتدريب.

وكانت الجزائر أهدت في هذا الشأن الصين صورة ذات دقة عالية للعاصمة بكين تم التقاطها عن طريق القمر الصناعي الجزائري "ألسات 2 أ".

واعتبر المحلل السياسي مروان الوناس، في حديث مع وكالة أنباء (شينخوا)، "العلاقات الجزائرية الصينية علاقات تاريخية تميزت بالهدوء والاستقرار والاستمرار والتعاون منذ أكثر من 50 سنة، فهي تعود إلى مرحلة الحرب التحريرية في الجزائر".

وقال "من المعروف أن التعاون الاقتصادي بين الجزائر وبكين أخذ خلال السنوات الأخيرة أبعادا كثيرة وتوسعت مجالاته إلى مساحات أخرى، من العسكري إلى الإنشاءات، فأهم المشاريع الضخمة والإستراتيجية في الجزائر هي اليوم بيد شركات صينية".

وأضاف "وحتى على الصعيد الاجتماعي يوجد بالجزائر حوالي 30 ألف رعية صيني تمكنوا إلى حد كبير من تشكيل جالية حقيقية والتناغم مع الجزائريين حيث أصبح من العادي والطبيعي جدا أن تجد الصينيين في كل مناطق البلاد ولم يعد يشكل ذلك حالة طارئة منذ 10 سنوات على الأقل".

ورأى الوناس أن "التوافق السياسي بين الحكومتين الصينية والجزائرية في الكثير من الشئون الدولية سهل التعاون الاقتصادي، فالجزائر والصين تلتزمان بمبدأ تجنب التدخل في الشئون الداخلية للآخرين، ويحرصان دوما على التأكيد بأن الحلول للأزمات في العالم تمر عبر احترام الشرعية والقانون، وترفضان اللجوء إلى القوة في حل المشاكل بل تفضلان أسلوب الحوار والتفاهم عبر التفاوض".

وقال "إن السياسة الخارجية للصين البعيدة عن الابتزاز وعدم ربط المصالح الاقتصادية بأجندات سياسية ضيقة مكنت من فتح الطريق لتعاون أوسع بين الطرفين، وهو اليوم في توسع مستمر بعدما تمكن الصينيون من كسب ثقة شركائهم الجزائريين".