تنافسوا دون خصومات أو حسد والتزموا ب«شرف الكلمة» وحالفهم التوفيق ..

إمبراطوريات المال في نجد.. «عرق الجبين» أنصف «الشرفاء»


سوق المقيبرة الاشهر وسط الرياض في لقطتين بين السبعينات والثمانينات وخرج منه كبار التجار اليوم
الرياض- منصور العساف
قبل عدة قرون لم تكن الحالة الاقتصادية في وسط الجزيرة العربية بمنأى عن الاقتصاد العالمي؛ إذ رغم اقتصار معظم مجتمعات نجد في القرون السالفة على أسلوب المقايضة بالبيع والشراء، إلاّ أن المنطقة استقبلت وبرواج عملات متعددة من بلدان متفرقة، وكان أهالي نجد يتبادلون السلع والمحصولات الزراعية مقايضة بسلع أخرى ليحققوا لأنفسهم الاكتفاء الذاتي دون دورة للبيع والشراء.
وهذا الأسلوب في المبايعة – رغم رواجه - قلّل بشكل أو بآخر فرص انتشار العملات المسكوكة والمضروبة من الذهب والفضة، أو حتى النحاس والمعادن الأخرى؛ إذ قد اشتهر في منطقة الأحساء عملة "الطويلة"، وهي عبارة عن مشابك أو معاليق صغيرة لا يزيد طولها عن ثلاثة سنتمترات، كما كان ثمة عملات أخرى في كل من الحجاز وعسير؛ حتى إن "الروبية" لقيت بعض الرواج لا سيما في هجر والمنطقة الشرقية، إلاّ أن "الريال الفرنسي" كان الأكثر شعبية، والأكثر رواجاً في المنطقة على وجه العموم؛ إذ استمر التعامل بهذا الريال حتى أصدر الملك عبدالعزيز -رحمه الله - أول نظام للنقد، وتم معه سك الريال العربي السعودي من الفضة الخالصة عام 1928م.


أشهرهم «الراجحي إخوان» والسبيعي والمقيرن والشقري والحقباني والجميح والمنجم والبلطان وابن سعيدان وابن موسى والعثيم وأبانمي والسدحان

الريال الفرنسي
اصطلح الناس على تسميته بهذا الاسم رغم أنه دولار وليس ريالاً، ومصدره النمسا، وليس فرنسا، وكانت الإمبراطورة النمساوية الشهيرة ماري تريزا (1717-1780) هي من أمرت بسكه؛ إذ يحمل هذا الدولار اسمها وصورتها، وكان ذلك بعد أن اجتهدت هذه الإمبراطورة لتسوية الخلافات بين بلدها وفرنسا قبل الثورة الفرنسية التي أطاحت بأسرة "آل بوربون" في فرنسا، وقضت على الإمبراطور لويس السادس عشر وزوجته ماري "انطوانيت" ابنه الإمبراطورة النمساوية ماري "تريزا"؛ ليجد بعدها هذا الدولار رواجاً في السوق العالمية لأصالة ومتانة معدنة وجودة سكة؛ حتى لقد شاع وانتشر بعد هذه الأحداث في السوق الأوروبية والعربية، وكانت الدول والممالك تضيف مسماها الرسمي على وجهَي الدولار لتميزه عن أمثاله في الدول الأخرى، كما كان العامة في نجد يسمون هذا الريال "أبو شوشة"؛ إشارة إلى صورة الإمبراطورة النمساوية التي تظهر على إحدى وجهي الدولار بضفائرها المجدلة على مقدمة رأسها، كما كان "النجديون" يطلقون على نابوليون بانبرت "أبو نار"، بل قد تعجبوا من العملة الورقية وخافوا التعامل بها، وسموها "الخيفانة" ويقصدون بذلك نوعاً من الجراد سريع الطيران.
أسواق الرياض
كعادة المدن الكبيرة تبدأ ببناء المسجد؛ فقصر الحاكم، ثم السوق، والحصن أو القلعة، وبيوت الجند؛ إلى أن تتوافد العامة لبناء مساكنها؛ كذلك كانت البدايات الحديثة لمدينة الرياض، فبعد بناء الإمام تركي بن عبد الله للجامع الكبير وقصر الحكم تلاه بناء الحصن الذي شيد فيما بعد بصورة أوسع ليأخذ مسماه الحالي "المصمك"، وحينها كانت جل أسواق الرياض بين الجامع وقصر الحكم، حيث ساحة العدل "الصفاة"، بل انفرد "ابن كليب" – رحمه الله – بسوق خاص بناه على طريقة أسواق المنطقة الشرقية، حيث الباب الجانبي عبارة عن مدخل صغير وغرف مسقوفة سميت فيما بعد "قيصرية ابن كليب"، ويكاد يجمع المهتمون بتاريخ مدينة الرياض أن "قيصرية ابن كليب" التي عمرت إبان الدولة السعودية الثانية هي سوق أشيقر الحالية، والتي غلب على ملاك محلاتها أبناء مدينة أشيقر منتصف القرن الهجري المنصرم؛ حينها كان ثمة محال غير بعيد عن "قيصرية ابن كليب" تعود ملكيتها للأمير سعود بن عبد الله ويطلق عليها "قيصرية سعود"، بل لقد تعددت وتنوعت أسواق الرياض إبان عهد الملك عبدالعزيز – رحمه الله – رغم تقاربها من بعضها البعض؛ الأمر الذي عزاه البعض لصغر مساحة الرياض حينذاك، فقد كان "سوق مقيبرة" في الغرب، وهو ما يطلق عليه الآن "سوق الزل"، كما كان "سوق دخنة" عند البوابة الجنوبية لمدينة الرياض "بوابة دخنة"، أما "الحراج" فكان شرقي الجامع الكبير ناهيك عن "سوق الخرازين" و"سوق الماشية" و"العلف"، في حين كان أصحاب المهن والحرف والصناع يصطفون أمام الحوائط "جدران المرافق العامة"، وكان الحائط المقابل لقبلة الجامع الكبير مقراً لمحترفي الطب الشعبي والحجامين، وبعض صغار التجار الذين يتطلعون لغد مشرق وهم يرددون:
إن الدراهم في المواطن كلها
تكسو الرجال مهابة وجلالا
فهي اللسان لمن أراد فصاحة
وهي السلاح لمن أراد قتالا
وتتعدد أسماء الأسواق فمن "السدرة" إلى "المعيقلية" ومنها إلى "الجفرة" الذي يتحاشاه كثير من مرتادي السوق في ذلك الزمان؛ لتتوحد هذه الأسواق تحت مسمى سوق "الديرة" إلى أن تدخل مدينة الرياض عهداً ديموغرافياً جديداً، فيظهر شارع المرقب ومن قبله شارع الثميري الذي يشابه في زماننا هذا شارع التحلية.

في التسعينات من مقيبرة ودخنة والخرازين
و«قيصرية ابن كليب» و«قيصرية سعود»

إلى «السدرة» و«المعيقلية» و«الجفرة» و«المرقب» و«الثميري»
أسواق الرياض في التسعينات من مقيبرة ودخنة والخرازين و«قيصرية ابن كليب» و«قيصرية سعود» إلى «السدرة» و«المعيقلية» و«الجفرة» و«المرقب» و«الثميري»


إمبراطوريات المال
كانت جميع هذه الأسواق مجتمعة في "سوق الديرة" و"ساحة الصفاة" تجمع البائع في محله والبائع المتجول والبائع مكانة المحرّج على بضاعته، وفي تلك الأسواق كل شيء يباع.. الطعام واللباس والأواني والأثاث والسيوف والرماح "والقرطاس والقلم".
ووسط ساحة الصفاة كان "صالح الراجحي" – رحمه الله – يفرش سجادة بعد صلاة العصر ليبع الخرد والمفاتيح والأقفال بعد أن ينهي عمله الصباحي بحمل البضائع بالأجرة؛ إلى أن يتوسع في نشاطه ليستبدل المفاتيح والأقفال بالعملات المتنوعة ويصرف للناس ما يحتاجونه منها، ومن سجادته هذه يفتح الله عليه خزائن المصارف والبنوك، كما كان يشاركه هذا النشاط أخوه "سليمان"، وينافسه كل من "عبدالعزيز المقيرن" (صاحب مصرف حاليا)، و"الشقري" و"الحقباني"، وفي الأحساء كان "المطلق"، بينما كان في جدة كل من "أحمد الصيرفي" و"الكعكي"، وكان "سالم بن محفوظ" يعمل لدى "الكعكي" إلى أن استقل "ابن محفوظ" بالبنك الأهلي بعد أن حصل على تصريح من مؤسسة النقد العربي السعودي، وكان رجل الأعمال "محمد السبيعي" (صاحب مصرف حاليا) يستضيف "سليمان الراجحي" في مكة؛ مما سهل على أبناء الراجحي وأبناء السبيعي محمد وعبدالله سرعة تبديل وصرف العملات من مكة وجدة إلى الرياض وسط سوق الديرة التي كانت تستقبل مناديب كبار الصرافين في الكويت، مثل: الشايع والزامل والعبدلي والخضيري.
العقار والتموين
وكما كان لتجارة العملة والصرافة شأن في سوق الديرة، فقد كان للعقار والتموين الغذائي الشيء ذاته، حيث كان أبناء الجميح يعملون في الصرافة وبيع الذهب والأقمشة والمواد الغذائية من الرياض إلى البحرين والكويت مروراً بالأحساء، وكان مكتبهم في شارع الظهيرة منطلق إمبراطورية تجارية متعددة الاستثمار، وفي حين كان النشاط العقاري خاملاً كان "أبناء السعيدان" يتهيئون من خلال محل صغير في "دخنة" لتأسيس إحدى كبريات الشركات العقارية في المنطقة؛ يتبعهم في الثمانينات الهجرية "عبدالعزيز بن موسى" الذي كان يعمل أستاذاً في بناء البيوت؛ ليظهر بعدها اسماً بارزاً في عالم العقار من خلال تجارته في أراضي حي الفوطة وشارع الخزان، وفي الوقت ذاته كان "عمر بن جاسر البلطان" – رحمه الله – يهيئ لإمبراطوريته العقارية من مكتب صغير في حلة العنوز قبل أكثر من خمسين عاماً مضت، بينما كان "عبدالرحمن الجريسي" برفقة عمه "حمد" – رحمه الله – يساعده في دكانه الصغير قرب قصر الحكم إلى أن انتقل إلى العمل مع عبدالعزيز بن نصار -رحمه الله - ثم استقل بتجارة الأواني المنزلية ليحول تجارته مع الوقت إلى أثاث مكتبي، ويكاد ينفرد عن غيره بهذا النشاط الذي واكب توسع العمل الإداري والمكتبي في القطاعين العام والخاص.
أما "صالح العثيم" – رحمه الله – فقد بدأ كما بدأ "الراجحي" يحمل البضائع حتى استطاع أن يفتح له دكاناً غرب الجامع في الديرة يبيع من خلاله عشرة أصناف من المواد الغذائية - لا أكثر - قبل أن ينتقل إلى "حلة القصمان"، وبعدها يتوسع أبناؤه بتجارة المواد الغذائية، كما بدأ تاجر "الأرزاق" والجملة "عبدالعزيز بن عمر السدحان" – رحمه الله – من محل في البطحاء ثم دكان في عمارة العنبرية في "شارع الريل" ليخطو خطواته نحو سلسلة مجمعات تجارية متنوعة في المواد الغذائية والثلاجات والملابس عجزت عن منافستها المجمعات العالمية، وقبله كان "سليمان أبانمي" في بيع الساعات السويسرية ومن ثم المراتب..
كان التجار في مدينة الرياض ينطلقون من أسواق المدينة وقس على ذلك في تجارب كل من "عبدالله العلي المنجم" -رحمه الله- الذي بدأ بأول ثلاجة تبريد له في حي الديرة بالرياض حوالي عام 1983م بعد أن كانت البدايات الأولى لها حوالي 1370ه، ومن سوق الديرة وإليها يبدأ العمل وينتهي إذ ما زالت أسواق الجملة ومستودعات التجار باقية تحكي لشباب المال والأعمال تجربة جيل كان يفرش "الفوطة" وسط ساحة الصفاة.
تنافس شريف
وتحكي قصص هؤلاء التجار أروع الأمثلة في الإيثار والأمانة فقد كان "الراجحي إخوان" و"السبيعي" و"الجميح" يسلمون العملات الذهبية والنقود المحلية لأناس لا يعرفونهم في صالات المطار؛ بعد أن يتوسموا في وجوههم الأمانة ليقوم هؤلاء المسافرون بتسليمها لمن يستقبلها في المطار الآخر، كما كانت التجارة تدور بينهم ولا يسأل أحد عن حصته إلاّ بعد نهاية أعمالهم التجارية، وكان "محمد السبيعي" يستضيف "سليمان الراجحي" في منزله وهو منافسه الوحيد في تجارته، كما كانت الأموال تنقل بين هؤلاء التجار عبر مدن المملكة بعلب الصفيح "التن"، وتمكث في الطريق أياماً وليالي لا يخشى عليها أهلها من الحنشل أو قطاع الطرق، وربما يحملها رجال لا يملكون قوت يومهم بل "يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة"؛ ليسلموا البضاعة سليمة كما استلموها لم يطرأ عليها إلا غبار "تغريز" سياراتهم التي قطعت الطريق من جدة إلى الرياض في ثلاثة أيام، وكانوا يدونون أرباحهم ومصروفاتهم بسجلات بالية بعيداً عن تأثيرات مؤشر "داو جون" ومجلة "فوربس" التي كانت على موعد مع أرصدتهم.
تجار الخشاش!
وبقدر ما جمعت هذه الأسواق "هوامير" الصرافة والعقار والمواد الغذائية، فقد صورت لنا بعض زواياها لوحة للفقراء والمعوزين الذين أعيتهم السبل، وأقعدتهم مشاق الحياة عن طلب الرزق يجمعون من خلال ما عرضوا من "الخشاش" قرشاً أو خاتم نحاس أو قربة ماء مهترئة؛ ليشتروا بالقرش، ويبيعوا الخاتم ويصلحوا القربة وتسير أحوالهم على قدر أموالهم، كما لا يخلو سوق الديرة من فقير متجول يحاول بيع ما يملكه من "سقط المتاع" يعرضه في الصباح ولا مشتر، ويجول في القيلولة فيعرض الناس عنه، وبعد العصر لا يجد حتى من يقايضه "بخردة بالية" ولسان حاله، يقول:
يمشي الفقير وكل شيء ضده
والناس تغلق دونه أبوابها
هذا يعيبه وهذا يشتمه
يرى العداوة لا يرى أسبابها
ويعزيه في فقره زميل له لم يتعب قدميه بالمسير والتجوال، بل ظل وسط ساحة الصفاة يطلب ما عند الناس فلا مجيب ليقول لصاحبه:
أنا في حالٍ تعالى الله أي حالي
إذا قيل لمن هذا قلت ذا لي
ولقد هزلت حتى محت الشمس خيالي
ولقد أفلست حتى حل أكلي لعيالي


















التاريخ والصور أ[لغ من التعليق
وكنت تمنيت لو أن الكاتب قال
تخرجوا بدلا من خرجوا