[align=justify]جمال الدين الأفغاني

أبرز اسماء الفكر العربي الحديث

جمال الدين الحسيني الأفغاني (1838 – 1897)، أحد الأعلام البارزين في عصر النهضة العربية وأحد الدعاة للتجديد الإسلامي.

منشأه

ولد الأفغاني سنة 1838 م - 1254 هـ، في "أسعد آباد" إحدى القرى التابعة لخطة كونار من أعمال كابل عاصمة الأفغان، ووالده السيد صفدر من سادات كنر الحسينية.

لأسرته منزلة عالية في بلاد الأفغان، لنسبها الشريف، ولمقامها الإجتماعي والسياسي إذ كانت لها الإمارة والسيادة على جزء من البلاد الأفغانية، تستقل بالحكم فيه، إلى أن نزع الإمارة منها دوست محمد خان أمير الأفغان وقتئذ، وأمر بنقل والد السيد جمال الدين وبعض أعمامه إلى مدينة كابل، وأنتقل الأفغاني بانتقال أبيه إليها، وهو بعد في الثامنة من عمره، فعني أبوه بتربيته وتعليمه، على ماجرت به عادة الأمراء والعلماء في بلاده.

وكانت مخايل الذكاء، وقوة الفطرة، وتوقد القريحة تبدو عليه منذ صباه، فتعلم اللغة العربية، والأفغانية، وتلقى علوم الدين، والتاريخ، والمنطق، والفلسفة، والرياضيات، فأستوفى حظه من هذه العلوم، على أيدي أساتذة من أهل تلك البلاد، على الطريقة المألوفة في الكتب الإسلامية المشهورة، وأستكمل الغاية من دروسه وهو بعد في الثامنة عشرة من عمره، ثم سافر إلى الهند، وأقام بها سنة وبضعة أشهر يدرس العلوم الحديثة على الطريقة الأوروبية، فنضج فكره، وأتسعت مداركه. وكان بطبعه ميالاً إلى الرحلات، وأستطلاع أحوال الأمم والجماعات، فعرض له وهو في الهند أن يؤدي فريضة الحج، فأغتنم هذه الفرصة وقضى سنة ينتقل في البلاد، ويتعرف أحوالها، وعادات أهلها، حتى وافى مكة المكرمة في سنة 1857 م - 1273 هـ، وأدى الفريضة.

أسعد أباد أم أسد آباد؟

مدينة "أسعد آباد" في إقليم "كونار" على بعد نحو 240 كلم شرقي العاصمة الأفغانية "كابل"، على مقربة من الحدود مع باكستان. أما مدينة "أسد آباد" فتبعد نحو سبعة فراسخ (27 كيلومتر) من مدينة همذان إلى جهة العراق بين همذان وكرمانشاه.

بدء حياته العملية

ثم عاد إلى بلاد الأفغان، وأنتظم في خدمة الحكومة على عهد الأمير دوست محمد خان المتقدم ذكره وكان أول عمل له مرافقته إياه في حملة حربية جردها لفتح هراة، إحدى مدن الافغان ففي نشأة الأفغاني الأولى، وفي الدور الأول من حياته، تستطيع أن تتعرف أخلاقه، والعناصر التي تكونت منها شخصيته، فقد نشأ كما رأيت من بيت مجيد، ازدان بالشرف وأعتز بالإمارة، والسيادة، والحكم، زمناً ما، وتربى في مهاد العز، في كنف أبيه ورعايته.

سار الأفغاني إذن في جيش دوست محمد خان لفتح "هراة"، ولازمه مدة الحصار إلى أن توفي الأمير، وفتحت المدينة بعد حصار طويل، وتقلد الإمارة من بعده ولى عهده شير علي خان سنة 1864 م - 1280 هـ.

ثم وقع الخلاف بين الأمير الجديد وأخوته، إذ أراد أن يكيد لهم ويعتقلهم، فانضم السيد جمال الدين إلى محمد أعظم أحد الأخوة الثلاثة، لما توسمه فيه من الخير. أستعرت نار الحرب الداخلية، فكانت الغلبة لمحمد أعظم، وانتهت إليه إمارة الأفغان، فعظمت منزلة الأفغاني عنده، وأحله محل الوزير الأول، وكان بحسن تدبيره يستتب الأمر للأمير، ولكن الحرب الداخلية، مالبثت أن تجددت، إذ كان شير علي لايفتأ يسعى لاسترجاع سلطته، وكان الإنجليز يعضدونه بأموالهم ودسائسهم، فأيدوه ونصروه، ليجعلوه من أوليائهم وصنائعهم، وأغدق شير علي الأموال على الرؤساء الذين كانوا يناصرون الأمير محمد أعظم، فبيعت أمانات ونقضت عهود وجددت خيانات وأنتهت الحرب بهزيمة محمد أعظم، وغلبه شير علي، وخلص له الملك.

بقي السيد جمال الدين في كابل لم يمسسه الأمير بسوء، احتراماً لعشيرته وخوف انتفاض العامة عليه حمية لآل البيت النبوي. وهذه المرحلة كان لها أثرها في الإتجاه السياسي للسيد جمال الدين، فقد رأيت مابذلته السياسة الإنجليزية لتفريق الكلمة، ودس الدسائس في بلاد الأفغان، وإشعال نار الفتن الداخلية بها، وأصطناعها الأولياء من بين أمرائها، ولا مراء في أن هذه الأحداث قد كشفت للمترجم عن مطامع الإنجليز، وأساليبهم في الدس والتفريق، وغرست في فؤاده روح العداء للسياسة البريطانية خاصة، والمطامع الإستعمارية الأوروبية عامة، وقد لازمه هذا الكره طوال حياته، وكان له مبدأ راسخاً يصدر عنه في أعماله وآرائه وحركاته السياسية.

رحيله إلى الهند

لم ينفك الأمير شير علي يدبر المكايد للسيد جمال الدين، ويحتال للغدر به فرأى السيد أن يفارق بلاد الأفغان، ليجد جواً صالحاً للعمل، فاستأذنه في الحج، فأذن له، فسار إلى الهند سنة 1869 م - 1285 هـ، وكانت شهرته قد سبقته إلى تلك الديار، لما عرف عنه من العلم والحكمة، وماناله من المنزلة العالية بين قومه، ولم يكن يخفى على الحكومة الإنجليزية عداؤه لسياستها، ومايحدثه مجيئة إلى الهند من إثارة روح الهياج في النفوس، خاصة لأن الهند كانت لاتزال تضطرم بالفتن على الرغم من إخماد ثورة سنة 1857 م، فلما وصل إلى التخوم الهندية تلقته الحكومة بالحفاوة والإكرام، ولكنها لم تسمح له بطول الإقامة في بلادها، وجاء أهل العلم والفضل يهرعون إليه، يقتبسون من نور علمه وحكمته، ويستمعون إلى أحاديثه ومافيها من غذاء العقل والروح، والحث على الأنفة وعزة النفس، فنقمت الحكومة منه اتصاله بهم، ولم تأذن له بالإجتماع بالعلماء وغيرهم من مريديه وقصاده، إلا على عين من رجالها، فلم يقم هناك طويلاً، ثم أنزلته الحكومة إحدى سفنها فأقلته إلى السويس.

مجيئه مصر لأول مرة

جاء مصر لأول مرة أوائل سنة 1870 م - أواخر سنة 1286 هـ، ولم يكن يقصد طول الإقامة بها، لأنه إنما جاء ووجهته الحجاز، فلما سمع الناس بمقدمه حتى اتجهت إليه أنظار النابهين من أهل العلم، وتردد هو على الأزهر، واتصل به كثير من الطلبة، فآنسوا فيه روحاً تفيض معرفة وحكمة، فأقبلوا عليه يتلقون بعض العلوم الرياضية، والفلسفية، والكلامية، وقرأ لهم شرح "الأظهار" في البيت الذي نزل به بخان الخليلي، وأقام بمصر أربعين يوماً، ثم تحول عزمه عن الحجاز، وسافر إلى الأستانة.

سفره إلى الأستانة ثم رحيله عنها

وصل السيد جمال الدين إلى الأستانة، فلقي من حكومة السلطان عبد العزيز حفاوه وإكراماً، إذ عرف له الصدر الأعظم عالى باشا مكانته، وكان هذا الصدر من ساسة الترك الأفذاذ، العارفين بأقدار الرجال، فأقبل على السيد يحفه بالإحترام والرعاية، ونزل من الأمراء والوزراء والعلماء منزلة عالية، وتناقلوا الثناء عليه، ورغبت الحكومة أن تستفيد من علمه وفضله، فلم تمض ستة أشهر حتى جعلته عضواً في مجلس المعارف، فاضطلع بواجبه، وأشار بإصلاح مناهج التعليم، ولكن آراءه لم تلق تأييداً من زملائه، واستهدف لسخط شيخ الإسلام حسن فهمي أفندي، إذ رأى في تلك الآراء مايمس شيئاً من رزقه، فأضمر له السوء، وأرصد له العنت، حتى كان رمضان سنة 1287 هـ - ديسمبر سنة 1870 م، فرغب إليه مدير دار الفنون أن يلقي فيها خطاباً للحث على الصناعات، فاعتذر باديء بدء بضعفه في اللغة التركية، فألح عليه، فأنشأ خطاباً طويلاً كتبه قبل إلقائه، وعرضه على نخبة من أصحاب المناصب العالية، فأقروه واستحسنوه.

وألقى السيد خطابه بدار الفنون، في جمع حاشد من ذوي العلم والمكانة، فنال استحسانهم، ولكن شيخ الإسلام اتخذ من بعض آرائه مغمزاً للنيل منه بغير حق، ورميه بالزيغ في عقيدته، واغتنمها فرصة للإيقاع به، وألب عليه الوعاظ في المساجد، وأوعز إليهم أن يذكروا كلامه محفوفاً بالتفنيد والتنديد، فغضب السيد لمكيدة شيخ الإسلام، وطلب محاكمته، ولكن الحكومة انحازت إلى شيخها، وأصدرت أمرها إلى المترجم بالرحيل عن الأستانة بضعة أشهر، حتى تسكن الخواطر، ويهدأ الاضطراب، ثم يعود إليها أن شاء، ففارقها مهضوماً حقه، ورغب إليه بعض مريديه أن يتحول إلى الديار المصرية، فعمل برأيهم وقصد إليها.

عودته إلى مصر وإقامته بها

جاء السيد جمال الدين إلى مصر في أول محرم سنة 1288 هـ - مارس سنة 1871 م، لا على نية الإقامة بها، بل على قصد مشاهدة مناظرها، واستطلاع أحوالها، ولكن رياض باشا وزير إسماعيل في ذلك الحين رغب إليه البقاء في مصر، وأجرت عليه الحكومة راتباً مقداره ألف قرش كل شهر، لا في مقابل عمل، واهتدى إلى المترجم كثير من طلبة العلم، يستورون زنده، ويقتبسون الحكمة من بحر علمه، فقرأ لهم الكتب العالية في فنون الكلام، والحكمة النظرية، من طبيعية وعقلية، وعلوم الفلك، والتصوف، وأصول الفقة، بإسلوب طريف، وطريقة مبتكرة. وكانت مدرسته بيته، ولم يذهب يوماً إلى الأزهر مدرساً، وإنما ذهب إليه زائراً، وأغلب مايزوره يوم الجمعة، وكان أسلوبه في التدريس مخاطبة العقل، وفتح أذهان تلاميذه ومريديه إلى البحث والتفكير، وبث روح الحكمة والفلسفة في نفوسهم، وتوجيه أذهانهم إلى الأدب، والإنشاء، والخطابة، وكتابة المقالات الأدبية، والاجتماعية، والسياسية، فظهرت على يده نهضة في العلوم والأفكار أنتجت أطيب الثمرات.



أثره العلمي والأدبي

أقام المترجم في مصر، وأخذ يبث تعاليمه في نفوس تلاميذه، فظهرت على يده بيئة، استضاءت بأنوار العلم والعرفان، وارتوت من ينابيع الأدب والحكمة، وتحررت عقولها من قيود الجمود والأوهام، وبفضله خطا فن الكتابة والخطابة في مصر خطوات واسعة، ولم تقتصر حلقات دروسه ومجالسه على طلبة العلم، بل كان يؤمها كثير من العلماء والموظفين والأعيان وغيرهم فاستيقظت مشاعر وتنبهت عقول، وخف حجاب الغفلة في أطراف متعددة من البلاد خصوصاً في القاهرة.

فروح جمال الدين كان لها الأثر البالغ في نهضة العلوم والآداب في مصر، ولايفوتنا القول بأن البيئة التي كانت مستعدة للرقي، صالحة لغرس بذور هذه النهضة، وظهور ثمارها، أو بعبارة أخرى أن مصر بما فيها الأزهر، والمعاهد العلمية الحديثة، والتقدم العلمي الذي ابتدأ منذ عهد محمد على، كانت على استعداد لتقبل دعوة الحكيم الأفغاني، ولولا هذا الإستعداد لقضي على هذه الدعوة في مهدها، ولأخفق هو في مصر كما أخفق في الأستانة، حيث وجد أبواب العمل موصدة أمامه

أثره الأخلاقي والسياسي

فالسيد جمال الدين بما اتصف به من الأخلاق العالية ، أخذ يبث في النفوس روح العزة والشهامة ، ويحارب روح الذلة والاستكانة ، فكان بنفسيته ودروسه وأحاديثه ،ومناهجه في الحياة ، مدرسة أخلاقية ، رفعت من مستوى النفوس في مصر ، وكانت على الزمن من العوامل الفعالة للتحول الذي بدا على الأمة ن وانتقالها من حالة الخضوع والاستكانة إلي التطلع للحرية والتبرم بنظام الحكم القديم ومساوئه ، والسخط على تدخل الدول في شؤون البلاد. اسرفت حكومة إسماعيل في القروض ، وبدأت عواقب هذا الإسراف تظهر للعيان رغم ما بذلته الحكومة لإخفائها بمختلف الوسائل ، وأخذت النفوس تتطلع إلي إصلاح نظام الحكم بعد إذا أحست مرارة الاستبداد وهالتها فداحة القروض التي كبلت البلاد بقيود تدخل الدول.

ويمكننا أن نحدد أواخر سنة 1875 ، وأوائل سنة 1876 كمبدأ للتدخل الأوربي ن إذ حدث من مظاهره وقتئذ شراء إنجلترا أسهم مصر في القناة ثم قدوم بعثة المستر " كيف " الإنجليزية لفحص مالية مصر ، ثم توقف الحكومة عن اداء أقساط ديونها ن وما اعقب ذلك كم غنشاء صندوق الدين في مايو سنة 1876 0 فهذا التدخل كان من الأسباب الجوهرية التي حفزت النفوس إلي التبرم بنظام الحكم ، والتخلص من مساوئه ، لأن سياسة الحكومة هي التي أفضت إلي تدخل الدول في شؤون مصر وامتهانها كرامة البلاد واستقلالها 0 ومن هنا جاءت النهضة الوطنية والسياسية ، ووجدت مبادئ حكيم الشرق وتعاليمه سبيلاً إلي النفوس ، فكانت من العوامل الهامة في ظهور هذه النهضة التي شغلت السنوات الأخيرة من عهد إسماعيل وكانت من أعظم أدوار الحركة القومية. كان من مظاهر هذه النهضة نشاط الصحف السياسية ، وإقبال الناس عليها ، وتحدثهم في شؤون البلاد العامة ، وتبرمهم بحالتها السياسية والمالية ، ثم ظهور روح المعارضة والبيقظة في مجلس الشورى ، على يد نواب نفخ فيهم جمال الدين من روحه ، وعلى رأسهم عبد السلام بك المويلحي ( باشا ) ، الذي يعد من تلاميذه الأفذاذ ، وإنك لتلمس الصلة الروحية بينهما ، من الكلمات والعبارات الرائعة التي كان المويلحي يجهر بها في جلسات مجلس شورى النواب ن مما سنذكره في موضعه ، فإن هذه العبارات هي قبس من روح الحكيم الأفغاني.

جمال الدين والثورة العرابية

لم يكن جمال الدين الأفغاني مناصراً لإسماعيل ، بل كان ينقم منه استبداده وإسرافه، وتمكينه الدول الاستعمارية من مرافق البلاد وحقوقها ، وكان يتوسم الخير في توفيق ، إذ رآه وهو ولي للعهد ميالاً إلي الشورى ، ينتقد سياسة أبيه وإسرافه ، وقد اجتمعا في محفل الماسونية ، وتعاهدا على إقامة دعائم الشورى.

ولكن توفيق لم يف بعهده بعد أن تولى الحكم ، فقد بدا عليه الانحراف عن الشورى واستمع لوشايات رسل الاستعمار الأوربي ، وفي مقدمتهم قنصل إنجلترا العام في مصر ، إذ كانوا ينقمون من السيد روح الثورة والدعوة إلي الحرية والدستور ، فغيروا عليه قلب الخديوي ، وأوعزوا إليه بإخراجه من القطر المصري ، فأصدر أمره بنفيه ن وكان ذلك بقرار من مجلس النظار منعقداً برآسة الخديوي ، وكان نفيه غاية في القسوة والغدر ، إذ قبض عليه ليلة الأحد سادس رمضان سنة 1296 - 24 أغسطس سنة 1879 ، وهو ذاهب إلي بيته هو وخادمه الأمين ( أبو تراب ) ، وحجز في الضبطية ، ولم يمكن حتى من أخذ ثيابه ، وحمل في الصباح في عربة مقفلة إلي محطة السكة الحديدية ، ومنها نقل تحت المراقبة الشديدة إلي السويس ، وانزل منها إلي باخرة اقلته إلي الهند ، وسارت به إلي بومباي ، ولم تتورع الحكومة عن نشر بلاغ رسمي من غدارة المطبوعات بتاريخ 8 رمضان سنة 1296 ( 26 أغسطس سنة 1879 م ) ذكرت فيه نفي السيد بعبارات جارحة ملؤها الكذب والأفتراء، مما لا يجدر بحكومة تشعر بشيء من الكرامة والحياء أن تسف إليه

نفي جمال الدين من مصر ، على أن روحه ومبادئه وتعاليمه تركت أثرها في المجتمع المصري وبقيت النفوس ثائرة تتطلع إلي نظام الحكم ، وإقامته على دعائم الحرية والشورى ن فجمال الدين هو من الوجهة الروحية والفكرية أبو الثورة العرابية ، وكثير من أقطابها هم من تلاميذه أو مريديه ، والثورة في ذاتها هي استمرار للحركة السياسية التي كان لجمال الدين الفضل الكبير في ظهورها على عهد إسماعيل ، ولو بقي في مصر حين نشوب الثورة لكان جائزاً أن يمدها بآرائه الحكيمة ، وتجاربه الرشيدة ، فلا يغلب عليها الخطل والشطط ، ولكن شاءت الأقدار ، والدسائس الإنجليزية ، أن ينفى السيد من مصر ، وهي أحوج ما تكون إلي الانتفاع بحكمته وصدق نظره في الأمور. وأقام المترجم بحيدر أباد الدكن ، وهناك كتب رسالته في الرد على الدهريين ، وألزمته الحكومة البريطانية بالبقاء في الهند حتى انقضى أمر الثورة العرابية.

عمله في أوربا

جريدة العروة الوثقى

اخفقت الثورة العرابية ، واحتل الإنجليز مصر ، فسمحوا للسيد بالذهاب إلي اي بلد فاختار الشخوص إلي أوربا فقصد إليها سنة 1883 ، وأول مدينة وردها مدينة لندن ، وأقام بها أياماً معدودات ، ثم انتقل إلي باريس ، وكان تلميذه الأكبر الشيخ محمد عبده منفياً في بيروت عقب إخماد الثورة ، فاستدعاه إلي باريس ، فوافاه إليها ، وهناك أصدر جريدة (العروة الوثقى ) ، وقد سميت باسم الجمعية التي أنشأتها ، وهي جمعية تألفت لدعوة الأمم الإسلامية إلي الاتحاد والتضامن والأخذ بأسباب الحياة والنهضة ، ومجاهدة الاستعمار ، وتحرير مصر والسودان من الاحتلال ، وكانت تضم جماعة من أقطاب العالم الإسلامي وكبرائه وهي التي عهدت إلي السيد بإصدار الجريدة لتكون لسان حالها.

واشتركا معاً في تحريرها اتخذت العروة شعارها إيقاظ الأمم الإسلامية ، والمدافعة عن حقوق الشرقيين كافة ، ودعوتهم إلي مقاومة الاستعمار الأوربي ن والجهاد في سبيل الحرية والاستقلال.

وقد ذاع شأنها في العالم الإسلامي ن وأقبل عليها الناس في مختلف الأقطار ، ولكن الحكومة الإنجليزية أقفلت دونها ابواب مصر والهند ، وشددت في مطاردتها واضطهاد من يقرؤها ، وبلغ بها السعي في مصادرتها أن اوعزت إلي الحكومة المصرية بتغريم كل من توجد عنده العروة الوثقى خمسة جنيهات مصرية إلي خمسة وعشرين جنيهاً ، وأقامت الموانع دون استمرارها ، فلم يتجاوز ما نشر منها ثمانية عشر عدداً . قضى جمال الدين في باريس ثلاث سنوات ، كان لا يفتأ خلالها بنشر المباحث والمقالات الهامة في مقاومة اعتداء الدول الأوربية على الأمم الإسلامية ، ويراسل تلاميذه ومريديه في مصر.

جمال الدين ورينان

وجرت له أبحاث مع الفيلسوف إرنست رينان Renan في العالم الإسلامي ن وأكبر فيه رينان عبقريته ، وسعة علمه ن وقوة حجته ، وقال عنه : " كنت أتمثل أمامي عندما كنت أخاطبه ابن سينا ، أو ابن رشد ، أو واحد من أساطين الحكمة الشرقيين ".

عمله في فارس ثم نفيه منها

ثم أخذ يتنقل بين باريس ولندن إلي أوائل فبراير سنة 1886 ( جمادي الأولى سنة 1303 ) وفيه ذهب إلي بلاد فارس ثم إلي روسيا. ولما كان معرض باريس سنة 1889 ، رجع جمال الدين إليها ، وفي عودته منها التقى بالشاه في ميونخ عاصمة بافاريا ، فدعاه إلي صحبته إذ كان يرغب في الانتفاع بعلمه وتجاربه ، فأجاب الدعوة ، وسار معه إلي فارس ، وأقام في طهران ، فحفه علماء فارس وأمراؤها وأعيانها بالرعاية والإجلال. واستعان به الشاه على إصلاح أحوال المملكة ، وسن لها القوانين الكفيلة بإصلاح شئونها ، ولكنه استهدف لسخط أصحاب النفوذ في الحكومة ، وخاصة الصدر الأعظم ، فوشوا به عند الشاه ، واسر إليه الصدر الأعظم أن هذه القوانين تؤول إلي انتزاع السلطة من يده ، فأثرت الوشايات في نفس الشاه ، وبدأ يتنكر للسيد فاستاذنه في المسير إلي المقام المعروف " بشاه عبد العظيم " على بعد عشرين كيلو متر من طهران ، فاذن له ، فوافاه به جم غفير من العلماء والوجهاء من انصاره في دعوة الإصلاح ، فازدادت مكانته في البلاد ، وتخوف الشاه عاقبة ذلك على سلطانه ن فاعتزم الإساءة إليه ، ووجه إلي " الشاه عبد العظيم " خمسمائة فارس قبضوا عليه وكان مريضاً ، فانتزعوه من فراشه ن واعتقلوه ، وساقه خمسون منهم إلي حدود المملكة العثمانية منيفاً ، فنزل بالبصرة ، فعظم ذلك على مريديه ، واشتدت ثورة السخط على الشاه.



دعوة جمال الدين ضد الشاه

أقام السيد بالبصرة زمناً حتى أبل من مرضه ، ثم أرسل كتاباً إلي كبير المجتهدين في فارس ميرزا محمد حسن الشيرازي ، عدد فيه مساوئ الشاه ، وخص بالذكر تخويله إحدى الشركات الإنجليزية حق احتكار التباك في بلاد فارس ، وما يفضي إليه من استئثار الأجانب بأهم حاصلات البلاد ، وكان هذا النداء من أعظم الأسباب التي جعلت كبير المجتهدين يفتي بحرمة استعمال التنباك إلي أن يبطل الامتياز ، فاتبعت الامة هذه الفتوى ، وامسكت عن تدخينه ، واضطر الشاه خوف انتقاض الأمة إلي إلغائه ، ودفع للشركة الإنجليزية تعويضاً فخلصت فارس من التدخل الأجنبي.

شخوصه إلي أوربا

مكث جمال الدين بالبصرة ريثما عادت إليه صحته ، ثم شخص إلى لندن، فتلقاه الإنجليز بالإكرام، ودعوه إلى مجتمعاتهم السياسية والعلمية ، وحمل على الشاه وسياسته حملات صادقة في مجلة سماها (ضياء الخافقين) ، ودعا الأمة الفارسية إلى خلعه ، وقويت دعوته الحرية في إيران ، واشتد السخط على الشاه ناصر الدين إلى أن قتل سنة 1896 بيد فارسي أهوج ، وقيل أن للسيد دخلاً في التحريض على قتله ، وتولى بعده مظهر الدين ، واستمرت دعوة الحرية التي غرسها جمال الدين في إيران تنمو وتترعرع حتى آلت إلى إعلان الدستور الفارسى سنة 1906.

ذهابه إلى الاستانه وإقامته بها

وفيما هو بلندن ورد عليه كتاب آخر بتكرار دعوته فلبى الطلب وذهب إلي الأستانة سنة 1892 ، وكانت هذه المره الثانية لوروده هذه المدينة ، والمره الأولى كانت في عهد السلطان عبد العزيز كما تقدم بيانه ، وقد يبدو غريباً أن السلطان عبد الحميد الذي كان نصيراً للاستبداد وخصيماً للحرية ، يدعوا إلي جواره أكبر زعيم للحرية في الشرق ، وأغلب الظن أنه أراد أن يخدم سياسته في الجامعة الإسلامية باستضافته فيلسوف الإسلام ، لكي يظهر للعالم الإسلامي أنه يرعى العلم والعلماء من الأمم الإسلامية كافة ، وقد لبى جمال الدين دعوته ، آملاً أن يرشده إلي إصلاح الدولة العثمانية ، لأن مقصده السياسي هو انهاض دولة إسلامية أياً كانت إلي مصاف الدول العزيزة القوية ، فسارإلي الأستانه لتحقيق هذا المقصد ، وحفه عبد الحميد بالرعاية والإكرام وانزله منزلاً كريماً في قصر بحي ( نشان طاش ) ، من أفخم أحياء الأستانة ، وأجرى عليه راتباً وافراً ، قيل أنه خمس وسبعون ليرة عثمانية في الشهر ، ومضت مدة وجمال الدين له عند السلطان منزلة عاليه ؛ ثم ما لبث أن تنكر له ، واساء به الظن ، إذ كان من أخص صفات عبد الحميد إسائة الظن بالناس كافة ، وخاصةً بمن يتصلون به ، والاستماع إلي الوشايات والدسائس ، وكان الشيخ أبو الهدى الصيادي الذي نال الحظوة الكبرة عند مولاة يكره أن يظفر أحد بثقته فوشي بالسيد عند السلطان وأوغر عليه صدره فاحيط السيد بالجواسيس يحصون عليه غدواته وروحاته ، ويرقبون حركاته وسكناته.

ذكر الأمير شكيب أرسلان في هذا الصدد في كتاب ( حاضر العالم الإسلامي ) أن السيد كان وعبد الله نديم الكاتب والخطيب المصلاي المشهور في متنزه ( الكاغدخانة ) ، فصادفا الخديوي عباس حلمي وسلم بعضهم على بعض ، وتحادثوا نحو ربع ساعة تحت شجرة هناك ، فقيل أن الشيخ أبا الهدى قدم تقريرا للسلطان بأن جمال الدين وعبد الله نديم توعدا مع الخديوي على الاجتماع في ، الكاغدخانة )، وهناك عند الاجتماع بايعاه تحت الشجرة ، ويقول الامير شكيب أن السلطان بحسب قول جمال الدين لم يحفل بهذه الوشاية ، ولكنا نميل إلي الأعتقاد أنها تركت أثراص في نفسه ، وغيرت قلبه على السيد ، وذكر أن الذي أدى إلي وحشة السلطان منه استمراره في مجالسه على القدح في شاه العجم ناصر الدين ، مما حمل سفير إيران على الشكوى منه إلي السلطان ، فستدعاه ، وطلب إليه الكف عن مهاجمة الشاه فقبل ، ولكن حدث أن قتل الشاه سنة 1896 ، فاشتدت الريبة في جمال الدين ، واتجهت إليه شبهة التحريض على قتله ، فأمر السلطان بتشديد الرقابة عليه ، ومنع أي أحد من الاختلاط به إلا بإرادة سلطانية ، فأصبح السيد محبوساً في قصره.

مرضه ووفاته

تواترت الروايات بأن جمال الدين مات شبه مقتول ، وتدل الملابسات والقرائن على ترجيح هذه الرواية ، فإن اتهامه بالتحريض على قتل الشاه ، وتغيير السلطان عليه ، وحبسه في قصره ، ووشايات أبي الهدى الصيادي ، مما يقرب إلي الذهن فكرة التخلص منه باية وسيلة ، هذا إلي أن الغدر والأغتيال كانا من الأمور المألوفة في الأستانة. واصدق الروايات واحقها بالثقة فيما نعتقد . وكانت وفاته صبيحة الثلاثاء 9 مارس سنة 1897 ، وما أن بلغ الحكومة العثمانية نعيه حتى أمرت بضبط أوراقه وكل ما كان باقياً عنده ، وأمرت بدفنه من غير رعاية أو احتفال في مقبرة المشايخ بالقرب من نشان طاش فدفن كما يدفن اقل الناس شأنا في تركيا ، ولا يزال قبره هناك.تا

الانتقادات

قام الكاتب السوري موفق بني مرجة في رسالته للماجستير صحوة الرجل المريض أو السلطان عبدالحميد الثاني بجمع رسائل كتبها الأفغاني بنفسه، تثبت علاقته بالمجمع الماسوني "كوكب الشرق" وعلاقته ببريطانيا من خلال مراسلاته مع زوجة رئيس الوزراء البريطاني حينها آندي بلير وتوقيع رسائله بعبارة "صديقكم المخلص".

وقد أثبت المؤلف بما لا يدع مجالا للشك إنتماء الأفغاني للماسونية، ودعوته إلى وحدة الأديان. ونقل على ذلك مقتطفات من كتاباته. كما أشار إلى استعماله بعض المصطلحات الجديدة المبتدعة التي يستعملها الماسونيون، كمصطلح الموسوية بدلا عن قول اليهود، و"العيسوية" بدل النصارى و"المحمدية" بدل المسلمين.

كما أثبت المؤلف أن الأفغاني، والذي كان له ألقاب عديدة يستخدمها كالحسيني والكابلي وغيرها مما يزيد الغموض حول شخصيته. وكان في أواخر أيامه يلبس اللباس الإفرنجي ويدخن السيجار ويجتمع بمريديه في بار يملكه يهودي في القاهرة، وقد وضع له صورة باللباس الإفرنجي.

كما اتهمه السلطان عبد الحميد الثاني في مذكراته بالعمالة للانكليز، وقام بسجنه تبعاً لذلك. واتهمه د. عبد الله عزام في كتابه القومية العربية بأنه شيعي اثني عشري وأنه إيراني عميل للشاه. وقد ذكر محمد محمد حسين عدة أدلة على ذلك.[/align]