رفيق السفر
----------------


قال لصاحبه أتعرف فلان ؟--
فأجابه إجابة سطحية ساذجة نعم أعرفه
= هل ساكنته وآكلته وشاربته ؟
-- لالا !
=هل سافرت معه ؟
-- لالا
= إذاَ أنت لا تعرفه مطلقا


عشت بحكم طبيعة عملي مع أحدهم وكان من جنسية عربية ستعرفونها لاحقا
عشت معه وعايشته فترة طويلة من السنوات وشاء الله أن أسافر برفقته
بل هو سافر برفقتي إلى بلاده على مركبتي بغرض جلب عمالة زراعية بمعرفته ومهندس زراعي وجميعهم من بلدياته

وطلبت إليه المبيت معي في البيت حتى أضمن تحركنا في الموعد المحدد وهو بعد صلاة الفجر مباشرة ولكنه أصر على المبيت في منزله وحضرت إلى جوار منزله في حي البوادي في جدة قبيل صلاة الفجر ولم أجده وصليت في المسجد المجاور وبعد الصلاة لم أجده وقد هب زملائه في المنزل للمشاركة في البحث عنه وأخيرا عثرنا عليه عند الساعة السابعة وهو مستغرق في نوم عميق داخل سيارة إبن أخته وكان فمه مفتوحا وكأنه ينتظر شيئا

فاستشطت غضبا وشعرت بالإحباط حتى أنني فكرت بتأجيل الرحلة أو إلغائها نهائيا وكما يقال في المثل ( اللي هذا أوله ينعاف تاليه )

وبعد أن هدأت أعصابي إلى حد ما
تحدثت إليه قائلا
= وش رايك نفطر ؟
- لالا مالوش لازمه
وعند مفرق محافظة ثول على طريق المدينة المنورة السريع أردت الذهاب عن طريق بدر أو طريق المدينة المنورة القديم لنفرق قبيل بدر إلى ينبع ولكنه استوقفني وهو يقول الطريء غلط
= ليه يابن الحلال
؟- انتا امشي مع طريء المدينة عشان الطريءهوه من هناك
= يابن الحلال مافيه طريق لينبع الا من هنا
- انته اسمع كلامي دنا والله العزصيم مشيته ميت مره وعارفه كويس أوي أوي أطعته وسلكت طريق المدينة المنورة السريع وكأني أرضخ لتوجيهات ربان باخرة عتيد في معرفة الطرق البرية والبحرية ودخلني الوسواس الخناس وشككت في قدراتي الجغرافية
و معرفتي بطرق بلادي التي أعتبر نفسي مخضرما فيها حتى ليلا وعبر الصحاري بدون أزفلت بحكم عشقي للصحراء وهوس عشق المغامرات الصحراوية المحسوبة والموزونة

حاسني أخونا المصري وخلاني في حالة شبه ذهول وإحباط وأنا أضرب أخماس بأسداس ولمعرفتي بالهجر والقرى الواقعة بين المدينة المنوة وجدة بدأت ألقي وأطرح عليه الأسئلة بإلحاح مستفسرا منه من أي هجرة يكون مفرق الطريق طبعا قبل الوصول إلى المدينة المنورة وكان جوابه جواب الواثق من نفسه - انتا امشي وريح بالك
= إييييه على قولة محمد عبد الوهاب
انسى الدنيا وريح بالك ** أوعى تفكر في اللي جرالك أو (قرالك )
وين انسى الدنيا واريح بالي في حوستي مع هالمصري اللي خلاني مثل الذيب اللي مضيع وكره في رابعة النهاروتنهيدة حرى تجر تناهيد حائرة بائسة ولسان حالي يقول الله اكبر يابو سعود هذي تاليتها تضيع دروبك وتدربي راسك وانت ابو العريف ؟

وشعرت وكأني سائق هندي أو بنغالي أجير يهز رأسه يمنة ويسرة بمجرد أن يسمع طيف كلمة لدى هذا الحاج الداهية البقيعة في الطرق والله شعرت بالعار والهوان الجغرافي وأنا أطرح عليه السؤال بين الفينة والأخرى
=وين المفرق يابن الحلال ؟
- لسه شويه كمان
تجاوزنا نصف الطريق وثلاثة أرباعه وأخيرا طفح الكيل وحضرت الجن والعفاريت في رأسي بعد أن عرفت أننا تجاوزنا بدر بالمحاذاة مع طريق المدينة المنورة السريع واستشطت غضبا شديدا ولم أستطع السيطرة على غضبي ولساني وأنا أهزئه وأمعن في تهزيئه وكان رد فعله هو الإكثار من أكل الموز الذي اشترى منه نحو 5كج وكأنه شمبازي ويخسي الشمبازي عن شراهة ذلك الرفيق في بلع الموز والله أنا أشتمه من هنا وهو يفرط في بلع الموز

وصلنا المدينة المنورة وانعطفنا من بعد مركز الجوازات إلى طريق بدر وبحسبة بسيطة كان الفرق 140كم رايح يعني 280كم فكرت أرجع جدة ولكن !!وصلنا بدر
= هيا ياحاج نتغدى ؟
- لا لسه بدري ونطق السين شبه مكسورة باللهجة الفلاحية
قلت في خاطري والله الرجال بعير مثلي يصبر على الجوع والعطش ولكن منين يجيه الجوع والعطش وهو يلتهم الموز ويزرطه زرطا زرطا ويعب قويريرات الماء عبا وصلنا ينبع
= هاه ياحاج نوقف نتغدى ؟
-لالاياعم نمشي أحسن
وقلت في خاطري والله صاحبنا بعير غير عادي وماخذ الموز تصبيره وصلنا أملج وضحك ضحكا عاليا وهو يقراء اللوحة قائلا أم لق ويقهقه في ضحكاته العالية فغضبت من تندره ورددت عليه قائلا أحسن من قولتكم ( العين السخنه )وأردفت لو تدري وش هي العين السخنه عندنا ؟
وأخبرته بمعناها فقال عيب ياحاج ما يصحش كده
= طيب انتغدى
- انته قعان اتغدى لوحدك
ومن الزعل دعست وتعدينا الوجه بدون أن أتوقف أو أسأله أو أعطيه وجه ومارد راسي الا محافظة حقل مع المغرب استأجرنا شقة نظيفة مرتبة بمبلغ بسيط وكل واحد له غرفة مع التلفزيون
=هيا ياحاج نتغدى
- ماليش نفس -
وبغضب هستيري شديد
= الشرهة ماهيب عليك انت ووجهك

نزلت إلى المطعم وهات سمك وهات دجاج وهات مسلوقة باللحم وحطيت زعلي وهمي في النعمة وكان البرد أيامها قارسا انخمدنا إلى الصبح ومن العقبة ركبنا العبارة ناقلة الأنعام إلى نويبع وست ساعات في نويبع تفتيش جمركي حتى بطانة باب سيارتي فككوه ونشب عراك شفوي بيني وبين مفتشي الجمارك وارتفعت وتيرته مع واحد فوق كتفه تاج
و شلقة نجوم مصديه أثاريه ممن يسمى عميد وطلبت وقف التفتيش والعودة في أو ل عبارة قبل خروجي من جمركهم أخيرا اكتفوا بباب واحد واعطوني لوحات صدأة جدا والله العظيم قذفت بها في مؤخرة السيارة بين سمعهم وبصرهم وماكدنا نخرج من معتقل الجمارك حتى لمحت فندقا فقلت له لننام الليلة فقد أخذ التعب منا مأخذه

ولكنه طلب إلي مواصلة المسير والمسرى ووثقت في كلامه أن المسافة بسيطة وصدقته وهالني بعد فترة أن لمحت لوحة مهترئة تقول أن المسافة المتبقية ثلاثمائة وتسعون كيلا فغالبت نفسي على القيادة وبعد نحو ساعتين طلب مني التوقف عند خرابة أسماها مطعم وهي عبارة عن مبنى طيني متهالك أضوائه معتمة جدا لأنها بواسطة فوانيس هالكة مستهلكة حتى لسان النور تراه يتمايل على جانب واحد ورأيت صاحبنا ينفذ عن ذراعيه وهو ينادي الجرسون جرسون ؟ أي جرسون وأي بطيخ واحد ضايع في جلابيته ورفع صاحبي عقيرته مناديا والنبي يامعلم فرخة مأسومة نصين وجائت الفرخة والله ثم والله تذكرت حينها فرخة سمير غانم الشهيرة ووالله إن الفرخة لم تكن سوى شيء خفيف يميل لونه إلى السواد والدجاجة أو الفرغة بقسوة الرغيف اليابس حقيقة اشتد غيضي وحنقي وأنا أسائله لماذا تعاف الدجاج الأبيض اللدن وتحب وتفضل عليها تلك الدجاجة البئيسة المحنطة يامال الجوع أم هو تعصبك لكل ماهو منتم لبلادك حتى أن بعضهم والله ليؤمن بانتمائه لموطنه أكثر من إيمانه بأي أمر آخر

لاأريد أن أكمل فهذه الذكريات والله تمرضني حتى أني أقسمت أن لاأرافق هذا المخلوق في السفر على أي وسيلة كانت وكانت العودة لوحدي فقط بدون آكل الموز الموز الذي كرهته لسنوات بسببه