جيزان (واس) تبدأ حكاية السمسم في جازان بحباتٍ صغيرة تنثرها الأيدي في الأرض، وتكبر معها فرحة الموسم من اخضرار الحقول إلى اصفرار النبات واستعداده للحصاد، ثم إلى حباتٍ تُصفّى وزيتٍ يصل إلى المائدة، وعلى امتداد هذه الرحلة، يُحيي المزارعون دورةً زراعيةً سنويةً تستغرق نحو مئة يوم، تنتقل معارفها من جيل إلى جيل، وتتجسد في مواعيد الزراعة ومهارة العمل، لتصل بين الحقل والبيت.


21 جمادى الأولى 1448هـ 01 نوفمبر 2026م

ومن 11 أغسطس إلى 20 سبتمبر، ينثر المزارعون بذور السمسم في الحقول، لتبدأ مرحلةٌ تتعاقب فيها أعمال الرعاية حتى يحين الحصاد بعد نحو مئة يوم، وعند نضج النبات، تُخلع الشجيرات كاملةً وتُجمع في أكوام مخروطية، تُترك قرابة عشرين يومًا حتى تجف، وتتطلب هذه المرحلة خبرةً في تقدير موعد الخلع ومدة التجفيف، وتهيئة النبات لاستخراج حبوبه من كبسولاته.



وبعد جفافها، تُمدّ الشجيرات على غطاءٍ مفروش على الأرض، ثم تُضرب بالعصي لتتساقط الحبوب من كبسولاتها، وتلي ذلك عملية الغربلة، إذ تُحرّك الحبوب في الغربال لفصلها عن بقايا النبات، قبل جمعها وتهيئتها للعصر، وتكشف هذه الخطوات عن سلسلة عملٍ متوارثة، تبدأ ببذر الحبوب وتمتد إلى الحصاد والتجفيف والدق والغربلة؛ لكل مرحلةٍ توقيتها، ولكل خطوةٍ خبرةٌ صقلتها مواسم الحقول.



ومن حبوب السمسم يُستخرج الزيت المعروف محليًا بـ"السليط"، فتروي المعصرة التقليدية جانبًا من طريقة استخلاصه قديمًا؛ إذ توضع البذور في وعاء خشبي، وتُدار بينها أداة "القطب" بحركة دائرية، كان الجمل يتولى تحريكها، وحلّت الآلات اليوم محل الجمل في إدارة المعصرة، فيما تظلّ مراحل ضغط الحبوب واستخراج الزيت وتصفيته، وصولًا إلى المائدة، امتدادًا لمعرفةٍ زراعية توارثتها الأجيال.



ويحضر زيت السمسم في المطبخ المحلي في جازان مكوّنًا في إعداد أطباق السمك والإيدامات وغيرها، ضمن وصفاتٍ توضح كيف وظّفت الأسر محصولًا محليًا في طعامها، وكيف تناقلت طرائق استخدامه مع الخبرة اليومية، وتكشف هذه الوصفات عن معارف الطهي في تفاصيلها؛ من اختيار المكونات إلى أساليب إعدادها وتقديمها، كما تحفظ أسماء الأطباق وارتباطها بالمواسم والمنتجات المحلية، لتبقى المائدة سجلًا حيًا لثقافة الطعام في جازان.



ويستحضر المزارع حسن حبيبي تفاصيل هذه المراحل بوصفها معارف تحفظ إيقاع الموسم، وتمتد من الحقل إلى أدوات إعداد المحصول، مُبرزًا ثراء خبرة الأهالي الزراعية التي تشكّلت من معرفة مواعيد البذر والحصاد والتجفيف، ومن مهارات اكتسبوها بالممارسة؛ فارتبطت علاقتهم بالأرض بمتابعة مراحل نمو المحصول والعناية به، وتناقلوا طرائق العمل جيلًا بعد جيل.



ويرى المزارع "حبيبي" أنَّ تدوين هذه التفاصيل يحفظ جانبًا من ذاكرة الزراعة في جازان؛ فلكل موسمٍ موعد، ولكل مرحلةٍ اسمٌ وأداة، ومن تتابعها تتشكل معرفةٌ محلية صاغتها الأيدي عبر السنين، مضيفًا أنَّ توثيق مراحل زراعة السمسم وإعداده يعرّف الأجيال بما اكتسبه المزارعون من خبرة في التعامل مع الأرض والمحصول، ويحفظ طرائق عملٍ توارثوها جيلًا بعد جيل، لتبقى حاضرةً في الذاكرة ومتصلةً بالممارسة.



وبين بذرةٍ تُنثر في الأرض وحباتٍ تُصفّى وتُعصر، تتجدد حكاية السمسم كل عام، حاضرةً في عمل المزارعين ومذاق المائدة وذاكرة المكان.