الدار البيضاء، محمد مخلوفي (هسبريس)
ولا أقول النهضة... فحديث النهضة من عوامل ضلالنا لأكثر من قرن. حديثٌ غازل فينا غرورنا بأننا شيء، ونحن لم نكن منذ قرونِ سباتنا المستمرة حتى اليوم، لم نكن حتى ذاك “الشيء الصغير” الذي تحدث عنه ألفونس دوديه، هذا الكاتب المبدع الذي أصدر كتابه ذاك في سن السادسة والعشرين ومنح العالمَ ابنَه ليون بعد سنة من “الشيء الصغير”، فكان الابن هو “الشيء الكبير” الذي شبّ؛ فأسس الحركة الفرنسية مع أنداده، رغم ما علِق بالجريدة والمذهب من مآخذ وما شابَهُما من انتقادات.
لا، لم تكن نهضة تلك التي قيل عنها إنها نهضتنا، ولم تتمخض فتلد تقدما ولا تحسُّنَ حال. ولو قَلّدْنا بعضَ أرباب أقلامنا، ممن تحدثوا عن الغُمَّة، غمّتنا، لخلصنا إلى تطويق بعض مضارنا، ولوضعنا عليها الأصبع واليد جميعاً، ولأخضعناها لمبضع التشريح. ولعل ذاك منا، كان كفيلا بأن يوصلنا إلى مرقى التشريع الأصوب، ولعلنا اليوم أن نكون في وضع المتنازعين حول سبل التنفيذ والبحث عن وسائل التصحيح والتشذيب، والعمل على الرقي والارتقاء من علاجِ همٍّ إلى مداواة غيره من الهموم.


كلا! لم نسرح بعيدًا عن أطلال مخلفات القدماء، ولم نقطع القطع الواجب مع ذيول
الاستعمار، ولم نحسن تدبير شأننا المالي، فأحرى أن نتحدث عن سموٍّ فينا روحي، ورفع ٍ لأفقنا المعنوي.
وأنا إذ أقول هذا، لا أفرّق بين عالٍ ودانٍ؛ فالكل في قعر القفة الواحدة معا وسواء، إنما تمايزت بيننا وميّزت المناصب، فأما لو ملكتَ سلطانَ النظر إلينا من خارج، فلحكمتَ بأن ما هنالك إلا الفصيل يَتْبَعُ أمَّه، ومن تأبَّى فهو لا يفعل سوى أن يشرد، فإن عاد، فقد عاد ليَتَّبِع، فإن حرن، فهو هناك، يرى الفجر، ولا فجر هنالك، كالضارب في صحراء، يمني النفس بجرعة ماء، يتراءى له السراب، فيشهق سروراً، وهل وراء السراب ماء؟
فإن توافق منا النظر على الانكباب فحصا عن أسباب همّنا، والذي هو لنا بحق المُمْتَلَك الأصيل، فلأقل مسرعا إن من تلك الأسباب إضاعتَنا لبطاقة هويتنا، أضعناها وعبثا حاول البحثَ عنها منا من حاول، ودعك من التفاصيل.
ومنها، عدم صدقنا في محاربة الجهل، أستغفر الله! ما هذا الذي أقوله هنا؟ بل إصرارنا على تكريس الجهل، وقد طورنا لذلك شبكة من المخططين والمبرمِجين، نجحتْ في دحر المستوى التعليمي لدى المتعلمين، وانظر واحكم قبل أن تتفوه ببنت فم.
ودعنا ننتقل إلى سبب ثالث من أسباب همّنا الراهن، وحديثنا هنا إنما هو بمناسبة هذا الكلام المرتفع هنا وهناك عن خروج سنة ودخول أخرى؛ ككلامنا المتلاطم البارحة غير البعيدة عن وفاة قرن وميلاد قرن جديد، وتصرم حال وبزوغ حال أخرى غيرها، ولا ميّت هناك، ولا رأى المجتمعُ مولودا جديدا، فإنما المستنقع واحد، وأحسننا تخبطا فيه من بلغ منه الحافة، بلغ وليس خرج، فمَنِ الخارج اليوم؟ بل من يدعي مجرّد إمكان الخروج؟
ستقول لي، أو يقول غيرك: قبل أن تنتقل إلى سبب ثالث، فقد نسيتَ أهمَّ شيء، العقل!
أقول: آه من العقل، ونقد العقل، ونقد نقد العقل! فذاك حديث، هو لعمري حديث آخر، وإنه بحق لحديث ذو شجون، وليس في مثل هذا القول العابر، ليس فيه عن مثله كلام.
لنرفق ببعضنا البعض، من شر الإطالة والتطويل، وما حديث الهمّ إلا حديث يسكن كل فكر جاد منا، وفيه ينيخ. هل أقول كما قال ذاك الفحل اللغوي: ينيخ بكلكله؟ فليكن، فهو حديث يفعل ذلك ويزيد، على كل قلب صادق في العزم على بلوغ الهدف، وصدر مضمّخ بعطر التاريخ، وأنف شامخ يضخ عزةً، وتوقاً أكيداً للحرية، ورغبة مطلقة في التقدم. فأما الازدهار، فما الازدهار؟ أهو موجود أم معدوم أم وصف أم صفة أم حال، أم أنه مجرد شعار؟!
فالسبب الثالث، الذي يتلو مقارعة الجهل، معهود، هو وبقية الأسباب التي تليه متتالية، مترادفة، متزاحمة، اعتدنا على سماعها، ولم نحصّل لها بعد سبيلَ مخرج، أم أننا حصّلنا، ولم نسلك بعد طريق الفعل… وذاك لهو حتماً سبب الأسباب كلها وبدون أدنى استثناء.
محمد مخلوفي
باحث في الفكر الإسلامي
مواقع النشر