مكة المكرمة، هاني اللحياني (الرياض) اعتبرت عضو هيئة التدريس بكلية الآداب بقسم التاريخ والاثار بجامعة الملك عبد العزيز بجدة، أمل بنت محمد الرشيدي كريم حكيموف مهندس للعلاقات السعودية الروسية، في مرحلتها التاريخية الأولى، وواضع لبناتها الأولى، وقالت الرشيدي للرياض، وهي مشغولة في أطروحة علمية في هذا الشأن، وفي ذكرى الاحتفاء بالذكرى المئوية للعلاقات السعودية-الروسية، تفتح لنا المناسبة المجال للتأمل في جذور هذه العلاقة وبداياتها الأولى، وعلى الشخصية المحورية في العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وهي شخصية الدبلوماسي كريم حكيموف، حيث أبدت الحكومة السوفيتية اهتمامًا بشبه الجزيرة العربية ضمن إطار علاقاتها بالعالم الإسلامي وبما يتوافق مع مبادئها السياسية بعد الثورة البلشفية، خصوصًا في ظل ظهور كيانات سياسية جديدة ومستقلة في المنطقة.
وبالاستناد إلى تقارير القناصل الروس في العهد القيصري، أدركت حكومة الاتحاد السوفيتي أهمية وجود تمثيل دبلوماسي لها في جدة، مع الحرص على تعيين دبلوماسي مسلم قادر على فهم البيئة المحلية والتعامل معها. ومن هنا أُعيد افتتاح القنصلية السوفيتية في جدة عام 1924م، وأُرسل كريم حكيموف لإدارة شؤونها، وهو الدبلوماسي للاتحاد السوفيتي الذي أسس العلاقات السعودية-السوفيتية.
وأوضحت الرشيدي وهي محاضرة وباحثة في العلاقات السعودية الروسية، أن كريم حكيموف هو عبد الكريم عبد الرؤوفيتش عبد الحكيموف، مسلم تتري ينتسب إلى قبائل الباشكير، وُلد في (3 ربيع الأول 1308هـ 15 نوفمبر 1890م) في قرية ديوسيانوفو التابعة لمنطقة بيجبولياك في جهمورية باشكيرتوستان. وقد جاء تعيينه ضمن سياسة سوفيتية تهدف إلى تعزيز الحضور السياسي والدبلوماسي في العالم الإسلامي.
وأضافت: وقد تمتع حكيموف بروح الإصرار والطموح، وهو ما دفعه إلى إكمال تعليمه وتعلّم اللغة الروسية، ثم إتقان عدد من اللغات الأخرى التي أهلته لتولي مناصب متعددة داخل الحكومة السوفيتية. وقد أكسبته هذه التجارب خبرة سياسية وإدارية مهمة، ومهدت له الطريق لخوض العمل الدبلوماسي بعد أن أثبت كفاءته أمام المسؤولين السوفيت. كما ساعده كونه مسلمًا في توليه بعض المناصب الدبلوماسية التي كانت تتطلب تعيين دبلوماسي مسلم قادر على التعامل مع البيئة الإسلامية، فشغل منصب قنصل بلاده في بلاد فارس، ثم انتقل منها إلى شبه الجزيرة العربية ليكون أول مبعوث دبلوماسي سوفيتي فيها، وتحديدًا قنصلًا لبلاده في مدينة جدة.
وأشارت الرشيدي إلى أن أبرز ممارسات كريم حكيموف الدبلوماسية أثناء تمثيله للاتحاد السوفيتي، والتي من خلالها وضع أسس العلاقات بين البلدين وعزّز العلاقات بين الجانبين عبر فترتين من تعيينه كدبلوماسي سوفيتي في جدة، خلال الفترة الأولى (1924م 1927م) أنه انتهج دبلوماسية هادئة قائمة على الفهم لا الصدام، من خلال رصد الأوضاع السياسية الداخلية والخارجية في المنطقة، قام بدور الوسيط في الصراعات المحلية، مع الالتزام بالحياد قدر الإمكان. كما سعى إلى فهم التحولات السياسية والاجتماعية عبر التواصل المباشر، مع الملك عبد العزيز أثناء دخول مكة المكرمة تحت حكمه، إضافة إلى تواصله مع المجتمع المكي، وقد كتب تقارير عن ذلك أثناء أدائه مناسك العمرة، ثم قدم مبادرته الشخصية التاريخية في 16 فبراير 1926م، بعد أن وحّد الملك عبد العزيز الحجاز حين سلّم للملك عبد العزيز مذكرة رسمية تعترف فيها الاتحاد السوفيتي بالملك عبد العزيز وبكيانه السياسي الناشئ.
وتابعت الرشيدي "ويُعد هذا الاعتراف نقطة تحول مفصلية في تاريخ العلاقات بين الطرفين، إذ لم يكن نتيجة ضغوط سياسية ولا مساعٍ خفية أو طلب مباشر، بل جاء كمبادرة سوفيتية مبكرة ما يجعل هذه اللحظة أساسًا فعليًا للعلاقة السعودية- السوفيتية في مرحلتها التاريخية الأولى، كما يمثل كريم حكيموف من خلال هذه المبادرة والاعتراف نموذجًا واضحًا لتأثير الفرد في السياسة الخارجية حين تتلاقى المبادرة الشخصية مع استراتيجية الدولة."
ومن مآثر حكيموف كما تقول الرشيدي أنه أظهر قدرته على توظيف الدبلوماسية في تعزيز العلاقات السياسية من خلال مشاركة الوفد السوفيتي في مؤتمر الإسلامي مكة المكرمة، وهو ما أسهم في تعزيز مكانة الملك عبد العزيز في العالم الإسلامي ودعم شرعيته بوصفه حاميًا للأماكن المقدسة.
واستطاع كريم حكيموف الاتصال بالملك عبد العزيز وإقامة علاقة معه على الصعيدين السياسي والشخصي، كما أصبح صديقًا مقربًا للأمير فيصل الذي أصبح ملكًا لاحقًا. وأسهم في زيادة أعداد الحجاج القادمين من مناطق الاتحاد السوفيتي، وسهّل حركة وصولهم إلى الأراضي المقدسة. كما أقام علاقات مع أهالي المنطقة والتجار حتى لُقّب بـ”كريم بيك” أو “الباشا الأحمر”، وتمكن من كسب ثقة القيادة السعودية والسمعة الطيبة.
وتكشف الوثائق أن حكيموف لم يكن مجرد موظف دبلوماسي، بل شخصية ذات تكوين سياسي وثقافي، جمع في أدائه بين الحنكة السياسية والفهم العميق للمجتمع الإسلامي، ما مكّنه من تعزيز الوجود السوفيتي في المنطقة أمام التواجد البريطاني ووضع أسس العلاقات السعودية- الروسية.
كما يبرز دور حكيموف بشكل واضح أثناء زيارة الأمير فيصل بن عبد العزيز إلى موسكو عام 1932م، إذ أعد برنامج الزيارة باللغة العربية، وتضمن البرنامج لقاءات رسمية مع المسؤولين السوفيت، إضافة إلى زيارات متعددة هدفت إلى اطلاع الوفد السعودي على مختلف جوانب الحياة في الاتحاد السوفيتي، وهو ما يعكس مدى تأثيره في تنظيم مسار التواصل السياسي بين الطرفين.
وفي عام 1936م أعيد كريم تعيين حكيموف كدبلوماسي سوفيتي في جدة وحظي تعيينه بترحيب واضح من الملك عبد العزيز. كما وصفت الوثائق البريطانية حكيموف بأنه من أشهر الشخصيات الدبلوماسية في جدة. وتشير تقارير بريطانية إلى أن الهدف من إعادة تعيينه كان تنشيط المفوضية السوفيتية وإعادة تحريك العلاقات التجارية، وهو ما تحقق فعليًا من خلال نمو ملحوظ في التبادل التجاري.
أمل الرشيدي
ويُعد نجاحه في تنشيط العلاقات التجارية خلال فترته الثانية من أبرز إنجازاته، إذ استطاع استرداد جزء من الديون السوفيتية المترتبة على المملكة العربية السعودية، وهو ما يمثل نجاحًا باهرًا حققه في تلك المرحلة. غير أنه، وبصورة مفاجئة، استُدعي إلى موسكو، ليذهب لاحقًا ضحية القمع الستاليني عام 1938م.
لذلك تُعد شخصية كريم حكيموف مدخلًا أساسيًا لفهم الجذور الأولى للعلاقات السعودية- الروسية في مراحلها التأسيسية.
وإن استحضار شخصية كريم حكيموف ودوره في الذكرى المئوية للعلاقات السعودية- الروسية لا يمثل مجرد وقفة تاريخي، بل قراءة في كيفية صناعة العلاقات الدولية عبر المبادرة والوعي السياسي والقدرة على فهم الثقافات المختلفة.




رد مع اقتباس
مواقع النشر