الرياض (الاقتصادية) : ظل علماء الحديث والتاريخ يتناقلون خبر نار الحجاز التي ذكرها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الحديث "لا تقوم الساعة حتى تَخرُج نار من أرض الحجاز تضيء أعناقَ الإبل ببُصرى"، وبصرى في بلاد الشام، ظل عبر السنين مؤمنين به على الرغم من غرابته، فمثل هذه الحادثة يصعب على العقل تخيلها، ويندر وقوعها. ولم يفهم جيدا حقيقة هذا الحديث إلا بعد قرون، وبالتحديد في عام 654هـ، حين تحققت نبوءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم، وظهرت النار، التي قال عنها المؤرخ شمس الدين الذهبي: "أمر هذه النار مُتواتِر... وقد حكى غير واحد ممن كان ببُصرى في الليل، ورأى أعناق الإبل في ضوئها"، وقال النووي: "تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام"، وذكر السمهودي أن ظهور النار اشتهر اشتهارا بلغ حد التواتر عند أهل الأخبار.



وقد أورد المؤرخ والمحدث والمفسر ابن كثير في تاريخه "البداية والنهاية" خبر هذه النار بتفصيل مطول نختصر منه بعض الفقرات، يقول ابن كثير: "ثم دخلت سنة أربع وخمسين وستمائة، فيها كان ظهور النار من أرض الحجاز التي أضاءت لها أعناق الإبل ببُصرى، كما نطق بذلك الحديث المتفق عليه، وقد بسط القول في ذلك الشيخ الإمام العلامة الحافظ شهاب الدين أبو شامة المقدسي في كتابه الذيل وشرحه. واستحضره من كتب كثيرة وردت مُتواترة إلى دمشق من الحجاز بصفةِ أمرِ هذه النار التي شُوهِدَت مُعايَنة، وكيفية خروجها وأمرها...". وملخَّص ما أورده أبو شامة أنه قال: وجاء إلى دمشق كتُبٌ من المدينة النبوية - على ساكنها أفضل الصلاة والسلام - بخروج نار عندهم في خامس جمادى الآخرة من هذه السنة، وكُتبَت الكتُب في خامس رجب، والنار بحالها، ووصلَت الكتب إلينا في عاشر شعبان ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم، ورَد إلى مدينة دمشق في أوائل شعبان من سنة أربع وخمسين وستمائة كتب من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها شرح أمر عظيم حدث بها، فيه تصديق لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى"، فأخبَرَني من أثق به ممَّن شاهَدَها أنه بلغه أنه كتَب بتيماء على ضوئها الكتب. قال: وكنا في بيوتنا تلك الليالي، وكأن في دار كل واحد منا سراج، ولم يكن لها حرٌّ ولفح على عِظَمِها، إنما كانت آية من آيات الله عز وجل. قال أبو شامة: وهذه صورة ما وقفت عليه من الكتب الواردة فيها: لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمائة ظهر بالمدينة النبوية دوي عظيم، ثم زلزلة عظيمة رجفت منها الأرض والحيطان والسقوف والأخشاب والأبواب، ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة الخامس من الشهر المذكور. ثم ظهرت نار عظيمة في الحرة قريبة من قريظة نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وهي نار عظيمة إشعالها أكثر من ثلاث منارات، وقد سالت أودية بالنار إلى وادي شظا مسيل الماء، وقد مدت مسيل شظا وما عاد يسيل، والله لقد طلعنا جماعة نبصرها فإذا الجبال تسيل نيرانا، وقد سدت الحرة طريق الحاج العراقي، فسارت إلى أن وصلت إلى الحرة فوقفت بعد ما أشفقنا أن تجيء إلينا. ورجعت تسيل في الشرق فخرج من وسطها سهود وجبال نيران تأكل الحجارة" إلى آخر ما ذكر ابن كثير.

كما أورد هذا الخبر الكثير من العلماء والمؤرخين وفصوا ذكره تفصيلا دقيقا. قال القرطبي: "خرجت نار الحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة، الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وست مئة، واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت بقريظة، بطرف الحرة ترى في صفة البلد العظيم، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموعه ذلك مثل النهر أحمر وأزرق، له دوي كدوي الرعد، يأخذ الصخور بين يديه، وينتهي إلى محط الركب العراقي، واجتمع من ذلك ردمٌ صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم باردٌ، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر".

وقال القطب القسطلاني (ت 686هـ) وكان بمكة المكرمة حين وقعت هذه الحادثة، وقد ألف فيها كتابا: "ولما عاين أمير المدينة ذلك أقلع عن المخالفة واعتبر، ورجع عما كان عليه من المظالم وانزجر، وأظهر التوبة والإنابة، وأعتق جميع مماليكه، وشرع في ردِّ المظالم وعزم أهل المدينة على الإقلاع عن الإصرار وارتكاب الأوزار، وفزعوا إلى التضرع والاستغفار، وهبط أميرهم من القلعة مع قاضيهم الشريف سنان وأعيان البلد، والتجأوا إلى الحجرة الشريفة، وباتوا بالمسجد الشريف بأجمعهم حتى النساء والأطفال، فصرف الله تعالى تلك النار العظيمة ذات الشمال، ونجوا من الأهوال". واستمرت هذه النار مدة ثلاثة أشهر على ما ذكره المؤرخون.

ومن الواضح من وصف المؤرخين للنار أنها في الأصل بركان، ويذكر علماء الجيولوجيا أن المدينة المنورة تقع بالقرب من منطقة بركانية تسمى حرة رهط. وقد ثارت في هذه المنطقة عدة براكين في سنوات مختلفة.

وقدمت الدكتورة مها عبد الرحمن أحمد نتو بحثا عن هذه النار في المؤتمر العالمي العاشر للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، خلصت فيه إلى عدة نتائج منها كما تقول:

1. كشفت الدراسات الحديثة التي قام بها مجموعة من العلماء المتخصصين في دراسة الظواهر الأرضية أن هناك علاقة بين الزلازل والبراكين، وأنه يسبق ظهور البراكين حدوث الزلال وهو ما حدث في عام (654هـ) .

2. خروج نار من أرض الحجاز هي من علامات الساعة الصغرى التي وقعــت ولا زالت مستمرة.

3. هذه النار ليست هي النار التي تخرج في آخر الزمان، تحشر الناس إلى محشرهم، والتي تكون من علامات الساعة الكبرى.

4. تُشير الدراسات العلمية التي أجريت على منطقة الحجاز إلى أن الثورات البركانية التي كونت حرة رهط قد بدأت منذ عشر ملايين من السنين على الأقل، وأنها تميزت بتتابع عدد من الثورات البركانية التي تخللتها فترات من الهدوء النسبي، ونحن نحيا اليوم في ظل إحدى هذه الفترات الهادئة نسبيا.

5. بعد رسم خريطة الحرارة الأرضية في العالم تبين أن أعلى قدر من الحرارة الأرضية كانت تحت الحجاز وبخاصة تحت حرة خيبر.

6. تم تسجيل زلزالين كبيرين وقعا في حرة خيبر، أحدهما في سنة (460هـ/ 1057م)، والآخر في سنة (654هـ/ 1256م)، وقد سبقت الزلزال الأخير أصوات إنفجارات عالية، تلتها ثورة بركانية كبيرة، وصاحبتها هزات أرضية، وقد كونت هذه الثورة البركانية الأخيرة عددا من المخاريط البركانية، ودفعت بملايين الأطنان من الحمم في اتجاه الجنوب، ولا تزال تلك المخاريط البركانية تتعرض لأعداد كبيرة من الرجفات الاهتزازية الخفيفة التي توحي بأن الصهارات الصخرية تحت هذه المخاريط البركانية لا تزال نشطة، مما يؤكد حتمية وقوع ثورات بركانية عارمة تخرج من أرض الحجاز في المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله.

تم ثصويب (5) أخطاء في استقلال فواصل ( . )