المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عسير: تستعيد جمال هويتها العمرانية



رابحة العدوية
March 16th, 2019, 14:26
أبها - سلطان الأحمري (واس) : تسعى هيئة تطوير منطقة عسير بالتعاون مع قطاعات حكومية وأهلية لتعزيز هوية المنطقة العمرانية، بما يظهر طابعها المتميز، ثقافياً واجتماعياً وبيئياً، وهو ما وجه به صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال بن عبد العزيز أمير المنطقة في عديد المناسبات التي شرفها، ومنوهاً سموه كذلك بأهمية المحافظة على هوية المنطقة عبر توظيفها عمرانياً في المشروعات المنفذة.

http://doraksa.com/mlffat/files/2893.jpg

وتتسق خطة المشهد الحضري لمنطقة عسير مع رؤية المملكة 2030 التي يتحقق من خلالها برامج جودة الحياة وسعادة المواطن، وهي تشتمل على إعادة صياغة المشهد الحضري في المنطقة من خلال نماذج مثالية للأحياء والطرق والخدمات ونقاط السياحة وغيرها تشكل مفهوم "أنسنة المدن"، وذلك بحسب ما ذكر معالي وزير الشؤون البلدية والقروية المكلف الدكتور ماجد بن عبد الله القصبي خلال مؤتمر إعلان خطة استكمال المشروعات الأساسية لمنطقة عسير.

وبين معاليه أن هذه الخطة تتعاون فيها الوزارة مع هيئة تطوير منطقة عسير وباشراف أمانة منطقة عسير و33 بلدية بالمنطقه لوضع الرؤية الجديدة للمشهد الحضري. تشارك فيها كوادر متخصصة ومؤهلة تسهم في وضع الخطط والبرامج لهذا المشروع، في حين سيعلن أمين منطقة عسير خلال الأربعة الأسابيع القادمة عن خطط هذه المبادرة وبرامجها ومدتها، حيث خصصت الوزارة له الميزانيات التي يتطلبها تنفيذ هذا المشروع.

وفي ضوء ذلك قال مدير فرع هيئة السياحة والتراث بمنطقة عسير المهندس محمد العمرة: "إن المنطقة اكتسبت أهميتها الإستراتيجية في موقعها الجغرافي المميز والتنوع الهائل في المناخ والتضاريس بين الهضبة والجبل والساحل، مما جعلها تشكّل مركزا سياحيا وطنيا، وتضم مراكزًا حضارية مهمة وكثافة سكانية كبيرة، مشدداً على أهمية المحافظة على التراث العمراني كهوية لأي تجمع عمراني أو حضري.

https://www.spa.gov.sa/image-resizer/h400/galupload/normal/000-4265982331552646861805.jpg

وأضاف: "تضم المنطقة تراثاً معمارياً وعمرانياً فريداً ومتنوعاً، فيما تحتضن 4275 قرية تراثية يظهر فيها التباين الواضح في الطرز والعناصر المعمارية، وأساليب البناء والمواد المستخدمة، منوهاً بأن من أهم العوامل المؤثرة في نشوء الأنماط العمرانية والمعمارية، هي عوامل مناخية وطبوغرافية واجتماعية واقتصادية".

من هنا.. تستعيد وكالة الأنباء السعودية في تقريرها قصة البناء التي تشكلت من خلالها الهوية العمرانية في عسير، وهي تعكس الحضارة المادية المتمثلة في بيوت الطين والحجر التي لازالت شاهدة على الحضور المتفوق لإنسان المنطقة في البناء والنقش وتوظيف معطيات البيئة.

ولازال العديد من الأوائل يحتفظون بعلاقة حميمية متوهجة لتلك البيوت حيث شهدت بين جنباتها زمن الصبا، وحكايات الأمسيات العفوية على نور الفتيلة، وبجوار أدخنة مواقد الحطب.

https://www.spa.gov.sa/image-resizer/h200/galupload/normal/000-7038144941552646866933.jpg https://www.spa.gov.sa/image-resizer/h200/galupload/normal/000-3956502051552646871896.jpg

ويقول المواطن حسين هبيش - 80 عامًا - في حديثه لـ "واس": "إن حياتهم انطلقت من تلك البيوت على التكافل، ومد يد العون وحفظ حقوق الجار وكرم الضيافة، مضيفاً بأنها قامت أساساتها وهي تحمل أنماطاً للحياة في كل جوانبها".

ويروي هبيش قصة البناء لبيوت الطين والحجر، موضحاً بأن البيت القديم في عسير وفي الجزء الجنوبي بشكل عام يتكون من دورين، وقد يصل إلى خمسة أدوار، وكان الدور الأرضي في الماضي يستخدم للماشية ولحفظ الحبوب والأدوات الزراعية، أما الدور الثاني فهو للسكن، ويتكون في الغالب من غرفة للجلوس اليومي، ومجلس للضيوف، ومقلط "غرفة الطعام"، وغرف للنوم، أما "الملهب" وهو المطبخ يكون في الدور الأعلى لكي لا يؤثر على البيت بدخان الحطب.

وأشار إلى أن الدور الرابع في البعض من المباني يتكون من المسقف وغرفة عبارة عن ملحق مضاف يطل على كافة الساحات المحيطة لمشاهدة كافة جوانب المنزل أو منافذ القرية أو الحي، مضيفاً أن البيت المتعدد الأدوار يسمى قصراً والصغير درباً، ويستخدم في بنائه المداميك، وهي طريقة تعتمد على بناء جدار من الطين المخلوط بالقش، ويترك حتى اليوم الثاني، ثم تضاف إليه طبقة أخرى، ويتم إعداد هذه الخلطة لمدة أربعة أيام في الغالب قبل أن يتم استخدامها في التلييس.

https://www.spa.gov.sa/image-resizer/h200/galupload/normal/000-5263152061552646880091.jpg https://www.spa.gov.sa/image-resizer/h200/galupload/normal/000-8165393411552646899625.jpg

وأفاد أن المواد المستخدمة عادة في البناء هي الطين والحجر والخشب المستمد من جذوع الأشجار خصوصاً العرعر، ويستخدم الطين في تغطية الجدران من الداخل، وأرضيات الغرف والممرات والأدراج، ويستعمل الحجر في بناء الجدران الرئيسية للمبنى والفواصل بين الغرف سواء كانت في الطابق الأرضي أو في الطوابق العلوية، وتستعمل الأحجار المسطحة في تغطية بعض الأسقف والأرضيات أو في أبنية متجاورة أو متلاصقة، مؤكداً ملائمة البيوت القديمة لظروف الطقس وأن لديها القدرة على التكيّف مع حرارة الصيف وبرودة الشتاء .

ومن جانبه أوضح التسعيني سعد بن محمد آل موسى من أهالي قرى آل حسين شمال مدينة أبها : أن البناء في عسير له أنواع تتضمن البناء بالحجر الخالص المأخوذ من جبال المنطقة، ويتم تهذيب حجارتها وتثبيتها فوق بعضها بالطين، وقال: إنها أقوى أنواع البناء في منطقة عسير، مؤكداً أنها لازالت صامدة لوقتنا الحالي لاسيما أن البعض منها مبني منذ عصور قديمة.

وأضاف يكون الحجر أساسا للبناء، وهو ما يسمى عند أهالي منطقة عسير "الحيود" ثم يوضع فوقه الطين، كما يسمى "الخلب"، وهذا الطين يخلط بالتبن المتبقي من القمح، ويوضع الطين على شكل طبقات "مداميك"، وكلما جفت طبقة يوضع عليها أخرى حتى ينتهي بناء الجدران، مبينًا متانة البناء جعلت بعض البيوت تصل إلى خمسة أدواء في البناء.

https://www.spa.gov.sa/image-resizer/h200/galupload/normal/000-7134579351552646846290.jpg https://www.spa.gov.sa/image-resizer/h200/galupload/normal/000-1423188601552646849751.jpg

وأضاف بأن النوع الأخر من البناء يتمثل في البناء بالطين الخالص، وهو يستوجب أرضاً صلبة يتم من خلالها الإستغناء عن الأساس الحجري، فيبنى بالطين مباشرة، وترص الصفائح الصخرية الرقيقة خلال بناء الجدران، ودورها يكمن في حماية الطين من المطر والبرد ويعرف ذلك بمسمى "الرقف".

وبين آل موسى أن الأسقف في البناء بمنطقة عسير لا تختلف عن بعضها كثيرا، إذ استغلت الموارد البيئية المحيطة في الأسقف، وتتكون من خشب العرعر وحزم من شجر "الطباق والعرفج" والطين المخلوط بالصمغ المأخوذ من بعض أنواع الأشجار، ليتكون سقف قوي يمنع من دخول قطرات الأمطار، ثم يأتي دور الأبواب والنوافذ التي لها أشخاص مختصون - في الماضي والحاضر - يأتون بجذوع الطلح والعرعر، وتفصل إلى شرائح ثم تنحت وتزخرف، ويشتريها صاحب البناء جاهزة للتركيب من الداخل.

ولم يغب دور المرأة في قصة حضارة بيوت الطين بمنطقة عسير، حيث تميزت بجمال الرسم قديما في المنزل الذي يعتبر عالمها الخاص، فكانت تقوم قديماً برسمه ونقشه والتفنن بجدارياته، وكان يتدرج على عدد من المراحل منها إعادة طلاء المنزل من الداخل بطبقة من اللبن والجص ومواد أخرى صمغية تشبه البلاط الوقت الراهن، يلي ذلك كانت تستخدم "الصهاد أو الصِخار" وهو عبارة عن مادة طينية شبه رملية تؤخذ من تجاويف أرضية من أماكن نادرة عبارة عن مناجم، تحضرها المرأة فهي أكثر خبرة في انتقاء هذه المادة، وكانت تحضرها النساء في عسير على الدواب من مسافات مختلفة قد تصل إلى 40 و50 كيلو مترا، فإذا ما رغبت المرأة صاحبة المنزل طلاء منزلها بعد إحضار هذه المادة تقوم بتخميرها فترة زمنية لا تقل عن ثلاثة أيام مضيفة لها مواد أخرى، وهي ما تشبه في الوقت الحاضر المثبتات أو الملونات.

https://www.spa.gov.sa/image-resizer/h200/galupload/normal/000-834232401552646852418.jpg https://www.spa.gov.sa/image-resizer/h200/galupload/normal/000-3497452921552646858849.jpg

ويأتي في مقدمتها الصمغ المأخوذ من شجر الطلح وهو من فصيلة السمر، ثم تبدأ بالطلاء وتستخدم فيه قطعة من الجلد والشعر وهو جلد الماشية "الأغنام"، وتختار المرأة ألوانها بحسب توزيع غرف المنزل، حيث لون قسم الرجال يميل إلى البياض الناصع أو إدخال الزرقة عليه بحكم طبيعة ونظرة الرجل لهذه الألوان، بينما تدخل لوناً إضافيا يميل إلى الاصفرار أو البني الفاتح في غرفة المعيشة وهي ما تسمى "بالسقيفة" والممر الرئيسي "الباسوط أو العابر" وكذلك "الملهب" وهو المطبخ لكثرة تعرض هذه المواقع لإيقاد النار والدخان.

ويتنافس نساء المنطقة قديماً في إدخال حركة التلوين داخل غرف المنزل إبتداء من البوابة الرئيسية وانتهاء بالشرفات العليا أو النوافذ، ومن الفنون الجميلة التي تستخدمها المرأة ما يسمى (بالقط) وهو عبارة عن نقوش ورسوم تشكيلية تشبه الأشكال الهندسية بالغة التعقيد والاتزان.

يذكر أن فنون النقش "القط" اللائي أبدعن فيه سيدات عسير، تصدر واجهة الاهتمام العالمي، منتقلاً من جداريات بيوت الطين إلى العالمية، حيث أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة "اليونسكو" ديسمبر العام الماضي إدراج فن القَط وتسجيله ضمن القائمة التمثيلية الخاصة بالتراث الثقافي غير المادي لدى المنظمة .


إعداد: سلطان الأحمري
تصوير : علي الشهري

تم تصويب (73) خطأ - استقلال فواصل وشرك لفظ الجلالة وعدم إغلاق المنقول