المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : درب النجا - مدينة جازان العليا



الأمبراطور
December 12th, 2010, 22:00
آثار مدينة جازان العليا

درب النجا


مدينة جازان الأثرية - في ضوء نقش
مؤرخ سنة 868هـ - 1464م

الدكتور / احمد الزيلعي

العدد الثاني - السنة العشرون - المحرم ، صف ، ربيع الأول 1415هـ


مدينة جازان العليا:

تقع أطلال مدينة جازان العليا على بعد حوالي ثمانية كيلومترات إلى الشمال الشرقي من مدينة (أبوعريش) المعروفة حالياً بالمنطقة ، وتقع على الحافة الجنوبية لوادي جازان، وإلى الشرق من قرية حاكمة التي يقع فيها مشروع الأبحاث والتنمية الزراعية بوادي جازان، وتعرف باسم الدرب او درب التجاء، وتشتهر باسم جازان العليا تمييزاً لها عن جازان الساحلية التي هي ميناء مشهور على الساحل الشرقي للبحر الأحمر، والعاصمة الإدارية الحالية للمنطقة التي تسمى باسمها، أي منطقة جازان.

ولا يعرف بالضبط شيء عن تاريخ تأسيس جازان العليا، ولا عن اسم مؤسسها أو تاريخ اضمحلالها واندثارها على وجه التحديد، وإن كانت هناك بعض الإشارات الواردة في ديوان الشاعر القاسم ابن هتيمل (من رجال القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي) يستشف منها أنه كانت معروفة في ذلك الوقت، يضاف إلى ذلك كونها كانت عاصمة للأشراف الغوانم الذين استقلوا بحكم منطقة جازان في الفترة من سنة 628-803هـ/1230-1401م، إلا أن عصر ازدهارها وربما بناء قلعتها المعروفة باسم الثريا ربما كان في عهد مؤسس الأسرة القطبية، خالد بن قطب الدين 0ت842هـ/1438-1439م) حيث وردت إشارات طفيفة في ديوان شاعر آخر هو الجراح بن شاجلا 0 القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي) تنسب تلك القلعة ومرافقها الملحقة بها إلى خالد المذكور ويؤكد هذه الإشارات المؤرخ علي بن عبد الرحمن البهكلي بقوله: (ولا أظن العامر لها غير خالد بن قطب الدين وأولاده).

ومهام يكن من أمر مؤسس هذه المدينة او العامر لقلعتها، فإنها اتخذت عاصمة للمخلاف السليماني طوال حكم أسرة الأشراف الغوانم التي أشرنا سابقاً على انه حكمت المنطقة من سنة 628هـ/1230م إلى سنة 803م/1401م ، وبقيت عاصمة للمخلاف ابتداءً من سنة 803هـ/1400-1401م، واستمرت في الحكم إلى أن سقطت نهائياً على يد أمير مكة المكرمة الشريف أبي نمي بن بركات 0ت992هـ/1584م) في سنة 943هـ/1536-1537م، وتحقق لهاتين الأسرتين الاستقلال التام حكم المخلاف السليماني الذي كان يضم منطقة جازان الحالية بالإضافة إلى أراض واسعة من الجمهورية العربية اليمنية تشمل منطقة حرض وما وراءها جنوباً. ولعبت مدينة جازان العليا بحصانتها الطبيعية ومنشآتها المعمارية القوية دوراً بارزاً في السيطرة على ذلك الإقليم حوالي أكثر من ثلاثمائة سنة.

وعلى الرغم من حصانة هذه المدينة فإنها تعرضت لعدة كوارث أدت في النهاية إلى خرابها واندثارها، ومن تلك الحوادث الحريق الذي تعرضت له على يد أمير مكة الشريف محمد بن بركات (ت903هـ/1497م) في عام 882هـ/1477م، وفي سنة 934هـ/1527-1528م، تعرضت المدينة للنهب والتدمير على يد حاكم زبيد الجركسي، سلمان الرومي (ت 935هـ/1528م) الذي أمر بإحراق المدينة وإحراق جميع قرى وادي جازان من أعلاه إلى اسفله، يلي ذلك مهاجمة أبي نمي بن بركات أمير مكة المكرمة، لمدينة جازان العليا سنة 943هـ/1536-1537م حيث قضى على حكم الأسرة القطبية، ودمر دور المدينة وهدم قلعتها الثريا وآخر الحوادث التي تعرضت لها مدينة جازان العليا كانت في سنة 965هـ/1558م، في العهد العثماني المبكر، عندما دمرت تدميراً كاملاً وربما كانت خراباً يعنق اليوم على أطلالها.

ولم تمتد إليها يد التعمير بعد ذلك باستثناء تلك المحاولات التي تمت في عهد الشريف أحمد بن غالب، من أشراف مكة، الذي قدم منها إلى المنطقة وحكمها ثلاث سنوات 1005 - 1002 هــ (1690-1964م) ولا نعرف مدة نجاحه في تعميرها وبقائها بعد محاولته تلك لأنه هزم وعاد إلى موطنه بالحجاز، تاركاً جازان التي يبدو أنها طواها النسيان، ودخلت في غيبته في طور من الخراب والاندثار ، وحلت محلها جارتها في الجنوب مدينة أبو عريش التي أصبحت فيما بعد عاصمة للمخلاف السليماني.

وصف أطلال مدينة جازان العليا:

تقع أطلال مدينة جازان العليا على الحافة الجنوبية لوادي جازان وإلى الشرق من قرية حاكمة – كما أسلفنا- وتطل على الوادي من موقعها المرتفع في طرف الحرة المسماة حرة مراح (الراح) ، وهي مغطاة بغابة من شجر الأراك الذي يمتد ليغطي معظم الجدران المتبقية من أطلال المدينة بحيث لا يرى منها إلا بعض أطراف السور الذي كان محدقاً بالمدينة، حين ازدهارها حتى أن الأهالي يسمون الموقع باسم الجُدُر أو الجدور نسبة إلى جدران الأسوار المحدقة بالموقع أما داخل السور فمن الصعب تبين أطلال القلعة والمرافق الملحقة بها، ومنازل المدينة ودروها ؛ لأن كل هذه الأطلال علتها أشجار الأراك الضخمة، ولا يرى من خلالها إلا ركام الأحجار، وبعض أطراف الجدران التي لا تزال متماسكة وهناك بعض البقع بين الأشجار تتخللها أساسات بعض المنازل، ومسجد صغير لا يمكن أن تشكل وحدها صورة لتلك المدينة التاريخية، ولا يمكن عمل خريطة للموقع ، او تقديم وصف دقيق له ما لم تزل تلك الأشجار المزعجة التي تقصر الجهود الفردية دون إزالتها وتنظيف المكان منها.

على أن هناك وصفاً مفيداً تركه لنا البهكلي عند تجديد قلعة جازان على يد الشريف أحمد بن غالب في شعبان سنة 1104هـ/1692-1693م، حيث يذكر ان الشريف أحمد أمر بقطع الأشجار التي سترت أرضها، ثم ضرب خيمة بالموقع ، وأكثر من الصناع والعمال الذين امتلأ بهم المكان بعد أن كان مقفراً وبالغ في إعادة تلك القلعة كما كانت، وأقامها على أسسها القديمة التي كانت عرضتها سبعة أضرع ونصف الذراع، ومساحتها عند إعادة بنائها كانت حوالي 7000متر مربع، ويذكر أن الشريف احمد بن غالب بذل عناية فائقة في توثيق بنيانها وإحكامه بحيث تستطيع الصمود أمام الحروب وشدة الحصار، وزار العقيلي أطلال جازان العليا مرتين قبل ثلاثين سنة، ولعل الولوج إليها كان أسهل مما هو عليه اليوم فقد استطاع تَبَين موقع القلعة، وبعض مرافقها على الرغم من وجود الشجار الكثيفة التي كانت تغطي بعض جدرانها، وحيث يذكر أن أطلال القلعة تقع في الناحية الشمالية الغربية، وأنها تتكون من عدد من المباني ومن أبراج قوية البناء ، تظهر عليها بقايا النورة التي طليت بها، وبداخلها بئر واسعة ولا تزال حوائط القلعة وغرفتها متماسكة البنيان يصل ارتفاع بعض جدرانها القائمة إلى ستة أذرع، ولو أن أغلب مبانيها مردوم ومدفون، ويذكر العقيلي أيضاً أن بقية المباني تقع إلى الشمال والجنوب من القلعة، ومن ذلك وجود آثار حصن في الجهة الجنوبية الغربية، له بوابة رئيسة محاطة ببرجين قويين من جانبها، وتفضي تلك البوابة إلى دهليز كبير في نهايته بوابة أخرى محصنة ببرجين أيضاً ويليها بنايات متهدمة ومسجد صغير، والمدينة كانت مسورة ولازالت بقايا أسوارها ماثلة للعيان حتى اليوم ويصل ارتفاعها في بعض الجهات إلى ثلاثة أمتار، ويقدر العقيلي محيط السور بأنه يزيد على أربعة كيلومترات، ويقرر أنها هي المدينة الوحيدة من مدن المخلاف التي كانت محاطة بأسوار.

الإطار التاريخي:

كان المخلاف السليماني يتكون من مخلافين اثنين هم مخلاف حكم ومخلاف عثر، وقد تم توحيد المخلافين معاً في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي على يد سليمان بن طرف الحكمي، واشتهر باسم المخلاف السليماني نسبة إلى سليمان المذكور الذي تمت هذه الوحدة على يديه، وأسس أول حكومة محلية في ذلك الإقليم، استقلت بشؤونها الداخلية عن الدولة العباسية ببغداد وكانت عاصمة المخلاف في عهد سليمان بن طرف مدينة ساحلية تعرف باسم عثَّر أو عَثْر، تقع بالقرب من مصب وادي بيش في المنطقة المعروفة اليوم باسم قوز الجعافرة، وظلت عثر عاصمة المخلاف السليماني منذ أوائل القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، وبقي الحكم متوارثاً في أسرهم حتى سقوط حكمهم على يد الشريف أبي نمي بن بركات، أمير مكة المكرمة، في سنة 943هـ/1536-1537م، كما أسلفنا إلا أن عَثَرلم تستمر عاصمة لملخلاف طوال فترة حكم بني سليمان، إذ سرعان ما انتقل كرسي الإمارة إلى مدينة جازان العليا عند قيام أسرة الأشراف الغوانم التي ذكرنا سابقاً أنها استمرت في الحكم حتى سنة 803هـ/1401م، ثم انتقل حكم المخلاف إلى بني عمهم الأشراف آل قطب الدين في عهد مؤسس تلك الأسرة خالد بن قطب الدين الذي تم في عهد أسرته بسط سيادة الأشراف آل قطب الدين على كامل تراب المخلاف السليماني من حدود إمارة خلي بن يعقوب شمالاً إلى ما وراء منطقة حرض جنوباً، وينسب إليه وإلى أولاده من بعده بناء قلعة جازان العلا، وبقية مرافق المدينة التي ظلت عاصمة للمخلاف في عهد الأسرة القطبية، وعندما توفي خالد بن قطب الدسن سنة 842هـ/1438-1439م، خلفه ابنه دريب بن خالد الذي استمر حكمه للمخلاف حتى سنة 876هـ/1471م، ويعد عهد الأمير دريب بن خالد محور حديثنا عن الأوضاع التاريخية للمخلاف على اعتبار أن هذا الشاهد موضوع الدراسة صنع في عهده.

غير أن عهد الأمير دريب بن خالد لم يشهد أحداثاً كبرى تستحق الخوض فيها سوى حادثين اثنتين، إحداهما ما يعتقد بحدوث عصيان مدني في ناحية حرض بعد وفاة والده خالد بن قطب الدين، مما جعله يشن عدداً من الحملات على تلك الناحية، وتمكن من إخضاع بني موسى، رؤساء الشرجة بساحل حرض، وكذلك بني سبأ، مشايخ حرض نفسها، وغيرهم من مشايخ تلك الجهات، وعمل على إعادتهم بالقوة إلى الخضوع لسلطانه ، والدخول من جديد في طاعته، والانضمام لشرعية حكمه، وذلك بعد ان أقرهم على ما تحت أيديهم مقابل إتاوات يدفعونها إليه، وضمانات أخرى ضمنوها له.

أما الحادثة الثاني التي شهدها عهد الأمير دريب بن خالد فهي سقوط دولة بني رسول في سنة 858هـ/1454م، وقيام دولة بن ظاهر على أنقاضها، حيث سار الأخيرين سيرة أسلافهم بني رسول من حيث الاعتراف بسلطان الأمراء آل قطب الدين على المخلاف السليماني بكامله، بما في ذلك ناحية حرض، بدليل أن دولة بني ظهار كانت تقف في عهد مؤسسها السلطان المجاهد علي بن طاهر بن عوضة (ت883هـ/1478م) عند حدود منطقة حرض الجنوبية ولم تتعدها إلى الشمال كما نص على ذلك اقتسام مملكة اليمن بين السلطان علي بن طاهر بن معوضة، وأخيه الملك الظاهر حيث أخذ الأول تهامة اليمن من حدود ما ذكرنا شمالاً إلى حيس جنوباً، وكان نصيب الثاني من حيس شمالاً إلى عدن جنوباً، بما في ذلك تعز، وإب، وجبلة، وذمار، وبعض الحصون الجبلية، ومع ذبك فقد كان لأمير جازان، دريب ابن خالد أطماعه في التوسع في تهامة اليمن، تلك الأطماع التي لم تكن تخفى على زعيم بن طاهر، مما حمله في سنة 865هـ/1416م على مصادرة أملاك الشيخ الجبرتي في زبيد بتهمة أن الأخير كاتب أمير جازان وأطمعه في اليمن، كما كانت مدينة جازان العليا في عهد الأمير دريب بن خالد ملاذاً للفارين والخارجين على سلطان بني طاهر، وكذلك المعارضين لحكمهم مثل التجاء الشيخ أحمد بن الغيث زعيم قبيلة الزيديين التهامية، إلى أمير جازان بعد مقتل والده أبي الغيث بن حفيظ في سنة 874هـ/1496م، وتمكن من ملجئه من العود بجموع كثيرة إلى قرية الشريج، حيث ضرب عليها حصاراً شديداً وأجبر سليمان السنبلي قائد العساكر الطاهرية على الهرب منها بفرسانه مخلفاً وراءه عدداً من القتلى الذين لقوا حتفهم على يد الشيخ أحمد بن أبي الغيث ورجاله من قبيلة الزيدين الأقوياء.

وصف الشاهد :

شاهد قبر من الحجر الجبري، مستطيل الشكل تقريباً، به كسور من أعلاه وفي الطرف الأيمن من أسفل بالإضافة إلى تأثير عوامل التعرية في السطر الأخير من الجهة اليسرى، عدد أسطره سبعة أسطر بخط الثلث البارز معدل الجزء المنقوش 44 × 32 سم تقريباً وهو مؤرخ في شهر رمضان سنة 868هـ/الموافق مايو – يونيو 1464م
النص :
1- لا إله إلا الله .
2- محمد رسول الله ..ز
3- بسم الله الرحمن الرحيم . كل من ..
4- عليها فان .. ويبقا [كذا] وجه ربك ذوا
5- لجلال والإكرام هذا قبر الحرة الطاهرة.
6- فرأت بيت علي بن محمد الجريبي توفيت [في] شهر رمضان ..
7- سنة ثمان وستين وثمان مئة [كذا] سنة .